حين فكرت في كتابة هذا الكتاب كنت أقصد أن يقرأه إخواني الأطباء والمعالجين النفسنيين ، حيث اعتدنا أن الكلام في العلاج النفسي لا يفهمه الناس عادة (عامتهم وخاصتهم) ... حتى المتخصصون يجدون صعوبة بالغة فى بداية دراستهم له ، ولكني حين انتهيت منه وأعدت قراءته وجدت أن الشخص العادي يستطيع قراءته وفهمه والاستفادة منه ، خاصة إن كان من مرضانا الأعزاء المساكين الذين عانوا من مرضهم وعانوا مرة أخرى منا كمعالجين نفسيين حين حاولنا علاجهم بفلسفة الغرب وقيم الغرب فبدا العلاج النفسي والمريض النفسي والمعالج النفسي غرباء على أنفسهم ، غرباء على بعضهم ، غرباء على جتمعهم
وقد كان الفن لاذعا في التعبير عن هذا الموقف فقد اعتدنا رؤية الطبيب النفسي الأعمال الفنية رجلاً غريباً ينطق الفاظاً غير مفهومة ويتصرف بشكل يثير السخرية ويضحك منه الناس ... وإن كان الفن قد بالغ في السخرية كعادته ولكن هذه السخرية لها خلفياتها وبواعثها من غرابة مبادئ علم النفس الغربي في مجتمعنا بألفاظه وتصوراته وممارساته.
وفي الحقيقة نحن لا ننكر - ولا نستطيع أن ننكر - إيجابيات علم النفس الغربي في بعض النواحي التجريبية والاكلينيكية وهى متعددة ومفيدة، ولكن حين يتعرض لتصور الإنسان والحياة والكون فهو يشرد بعيداً عنا ويصبح غريباً علينا في نهاية مطافه (رغم بداياته المنطقية) حيث نشأت معظم مفاهيمه في هذه النواحی کردود أفعال لفظروف إقليمية ودينية ومذهبية عصيبة قامت عندهم وليس بيننا وبينها صلة.
وأعود إلى ما ذكرته من أنه بعد انتهائي من الكتاب أحسست أنه لا صعوبة على القارئ العادي أن يقرأه لأنني كتبته بلغتنا ومن خلال تصوراتنا الإسلامية النقية البسيطة ، وكتبته أيضاً وأنا في واقع الممارسة العملية اليومية المضنية مع مرضى النفسيين الذين أعايشهم وأصاحبهم أكثر من أهلي ، وأعانى معهم ويهم صعوبة مواجهة مرض النفس .. أي أنني كتبت هذا الكتاب ، ويدى فى النار : كما يقولون .. كتبته من وسط المعمعة ، ولم أكتبه وأنا جالس في غرفة هادئة على مكتب وثير .
وفي الحقيقة لم تكن الكتابة مهنتى التي أتقنها فأنا طبيب نفسى أفضل العمل الفعلي وسط المرضى النفسيين البؤساء ، لذلك كنت أتمنى أن يكتب غيري في هذا الموضوع ، وهم كثيرون ولكنهم يؤجلون ذلك خوفاً من التعرض لهذا الموضوع الهام بمستوى أقل مم يجب ، خاصة وأن العلاج النفسي المغربي رغم انحراف أفكاره فهو يكتب ويقدم بشكل منظم و دقيق ومبهر .. فحين نكتب نحن وجهة المنظر الإسلامية فيجب أن تكون في مستوى عظمة الإسلام . وهذا كلام صحيح ، ولكن إلى متى سوف ننتظر ونؤجل ؟ .. إلى أن تضيع هويتنا وسط الكم الهائل الذي تقذف به مطابع القرب إلينا في كل لحظة ؟ .. وإذا كنا نحن نستطيع أن تصير فماذا عن مرضانا المساكين الذين تعالجهم بلغة ليست لغتهم وديناً ليس بدينهم وتصورات و معتقدات تتعارض تماماً مع تصوراتهم ومعتقداتهم ؟
فالأمر في العلاج النفسى ليس ترفاً علمياً أو تنظيراً فلسفياً مرفهاً ، وإنما هو ممارسة يومية واقعية مع عدد هائل من المرضى .. لذلك استخرت الله وبدأت في الكتابة في هذا الموضوع الحيوى والخطير والصعب في آن واحد .. وأنا أعلن منذ البدأ أن هذه المحاولة اجتهاد منى ، فإن أصبت كان خيراً ، وإن أخطأت أو قصرت فالعيب منى وليس العيب في المنهج الإسلامي الذي حاولت أن أرى من خلاله وأن أقيس بمقياسه ، وأعلن أيضاً أن ما جاء في هذا الكتاب هو مجرد قاعدة وبدايات أفكار وممارسات ربما أينى عليها أشياء أخرى في المستقبل أو يبنى عليها لو يطورها أو حتى يغيرها أناس آخرين .. ولكن كان لابد من البدأ في العمل في هذا الاتجاه.
وأذكر أنه منذ بدأت ممارستى للطب النفسى وأنا أحاول أن أجد صبغة إسلامية أمارس بها هذه المهنة الخطيرة والحليلة .. صيغة تجمع بين الهوية الإسلامية والهوية العلمية الطبية في ذات الوقت .. فقد كنت أجد صعوبة شديدة في تطبيق الأفكار والمفاهيم والتصورات الغربية التي تعلمتها في الطب النفسى ، حيث أنها نشأت في جو معاد للأديان فكانت في مجملها مادية إلحادية منحلة . وحدثت اذدواجية صعبة بين ما تعلمته أثناء دراستي لهذا العلم وبين عقيدتي وممارستي .
وفي فترة من الفترات حاولت أن أوفق بين الاثنين وأجد قنطرة تنقلنى عير هذه الفجوة ، فنجحت أحياناً وفشلت في أكثر المرات، ولم أكن وحدى في هذا المأزق بل إن كل من عمل في هذا المجال قد مر به بصورة أو بأخرى وقليل منهم استطاع اجتيازه بشكل صحى . أما لو نظرنا إلى جمهرة المشتغلين في هذا المجال وخاصة في بداية دراستهم وتدريبهم في هذا المجال ، فنجد أن بعضهم قد بقي على ازدواجيته التي تكلمت عنها ، والبعض الآختر آثر الراحة في كنف العالم الغربي (على أساس أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان) وانبهر به وأصبح يدافع عنه حتى بعد انهيار بعض أركانه في الغرب نفسه . والبعض الآخر تائه ومجموعة أخرى هجرت ذلك المجال منذ البداية هربا من الاضطراب والتشوه . وبقيت قلة قليلة راحت تنقب في الأصول الإسلامية لتخرج منها كنوزا حقيقية من الذهب ولكنها تحتاج إلى صقله وإخراجه في شكل عصري علمي ملائم بعد تخليصه من شوائب تراكمت عليه في عصور تخلف المسلمين.
وربما يقول قائل : وهل نستطيع أن تبلغ درجة عمل علم النفس الغربي ؟ والإجابة أن علم النفس الغربي وخاصة التحليل النفسي الفرويدى قد بلغ درجة كبيرة من الحمق بلا جدال ولكنه عمق السراديب المظلمة المليئة بالقاطورات والحشرات والوحوش الضارية (مع بعض الأنبياء النافعة) ولهذا كان عمقاً ضاراً مرحباً .
وربما يقول قائل : إنكم تخافون رؤية أنفسكم من الداخل ولذلك تحاولون إنكار هذا الداخل ؟ ونحن تقول له : إن فرويد كان كمن دخل قصراً فلم يستهوه من القصر الا غرفة مغلقة ففتحها بشجاعة ودخلها فوجدها مليئة ركام القصر ويعيش فيها ، كم هائل من الحشرات والحيوانات المفترسة ، فخرج ليصف الناس الحجرة واعتقد أنه وصف القصر. فمع أن فرويد تحدث عن « الهو » : الملئ بالرغبات والغرائز المكبوتة المتصارعة الضاغطة ، وتحدث أيضاً عن « الأنا » ( الذات العاقلة الاجتماعية ) وتحدث أيضاً عن « الأنا الأعلى » ( الضمير ) إلا أنه لكثرة فضوله وإعجابه باكتشاف « اللاشعور » أفاض فيه وشد إعجاب الناس له بل واستعدادهم على الأنا واستعداهم أكثر على الأنا العليا ( الضمير ) وصورهما ( الأنا والأنا الأعلى ) كأنهما عملاقين قاسين يختقان طفلاً صغيراً ( الهو الملئ بالرغبات الجنسية والعدوانية ) .
ومن آثار تمجيد « الهو » على حساب الذوات الأخرى ظهور المحركات الغامضة المضطربة في الفن والأدب والحياة مثل اللامعقول والعيشية ، والحركة الوحشية ، والحركة السريالية ، والهييز ... إلخ . وهذه الحركات الفنية والأدبية والاجتماعية تمجد « الهو » المتحرر من كل شيء الخارج على كل مألوف ، المضطرم صراعاً والمتأجج ناراً . وللأسف لاقت هذه الحركات رواجاً شديداً ، فيعت لوحاتها الفنية بالملايين ولو وقفت أمامها وتأملتها لتخيلتها عيث طفل صغير بألوان متباينة ، فالخطوط غامضة والألوان مضطربة ، ولكن يبدو أن الإنسان العصري وجد ذاته الشريرة في تلك اللوحات لو الأعمال الأدبية فعشقها ، واختفى الفن الجميل المعبر ، واختفت الكلمة النظيفة الواضحة العفيفة ، واختفت المشاعر النبيلة لتحل محلها المشاعر الغامضة ، المضطربة ، المصارعة والمتحدية.
أما النظرة الإسلامية فهي تختلف عن كل ذلك في بساطتها ووضوحها وسهولة فهمها وشمولها لكل الجوانب الإنسانية - الخير منها والشرير - وهي لا ترى أقبح ما في الإنسان وتغفل جوانبه المضيئة ( كما فعل علم النفس الغربي وفرويد بصفة خاصة ) وإنما على العكس هي ترى أن لحظات سمو الإنسان وارتقائه ومشاعره النبيلة هي أولى بالرؤية والتسجيل والاعتبار في نفس الوقت الذى لا تهمل فيه جوانيه المادية والشريرة بل تحتوى وتعالج من أقرب طريق .
وربما يسأل السائل مرة أخرى : إذا كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا انتشرت أفكار فرويد وأتباعه بهذا الشكل إلا أن يكون لها عمقاً إنسانياً عاماً وصدقاً فكرياً وشعورياً ؟ ونحن نقول : إن انتشار هذه الأفكار يرجع إلى أنها تبرر للإنسان سقوطه وانحطاطه ، والإنسان بطبيعته فيه ميل أكثر للانحطاط من ميله للارتفاع ولهذا وجدت هذه الأفكار نفوساً مهيأة لها في كل مكان تتلقفها وتذيعها وتنشرها في كل مكان وكل مجال .
ويخطئ من يظن أن علم النفس وأفكاره واتجاهاته إنما تؤثر فقط في علاج المرضى النفسيين ، لأن الحقيقة هي أن أفكار علم النفس تؤثر في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والفنية . ولقد أصبحت أفكار فرويد والوجوديين بوجه خاص منتشرة ومتغلغلة كل شئ حتى أصبحنا نسمع رجل الشارع البسيط يرددها دون أن يدرى ، فقد وصلت إليه عن طريق وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون ... إلخ . وتستطيع القول بأن فرويد و من تبعه قد غيروا فكر البشرية في القرن العشرين ووجهوه في الاتجاه الذي أرادوه وهم يتجهون بالبشرية نحو منحدر حيث تلقى حتفها إن لم يوقفها العقلاء من البشر .
وفي السياق الإسلامي لهذا الكتاب يجد أن هناك بعض المصطلحات الجديدة قد فرضت نفسها ، ولم تكن إضافتها مجرد رغبة في استبدال مصطلح مكان آخر ، وإنما فرضها التصور الإسلامي العام والصبغة الإسلامية التي يصطبغ بها هذا البحث .. ومن هذه المصطلحات على سبيل المثال : القدوة ( بديلا للتقمص ) ، والتصالح ( بديلاً المتكيف ) ، والضبط ( بديلاً للقمع ) ، والصبر ( بديلاً للكبت ) ، والعلاج المتمركز حول الهدف ( بديلاً للعلاج المتمركز حول العميل ) ، والتربية (بديلاً وإضافة وروحاً للعلاج السلوكي والفردى ) ... إلخ . وهذه المصطلحات الجديدة وإن كانت غريبة على العلاج النفسى الغربي المادى إلا أنها مألوفة في لغتنا العربية ومفاهيمنا الإسلامية .
ومن الجديد أيضاً في هذا الكتاب إفراد باب كامل للمعالج وصفاته وما يجب أن يتخلى عنه وما يجب أن يتحلى به ، لأن دور المعالج في المفهوم الإسلامي هو دور المربي المرشد الداعية الذى يعمل المفاهيم الإسلامية الصحيحة في المريض أثناء رحلة العلاج ، وهو دور بناء يختلف كثيراً عن أوقعك المعالجين الذين انتهجوا النهج الغربي دون تمحيص فأفسدوا مفاهيم المريض ومفاهيم المجتمع المسلم تحت ستار العلم والحياد العلمي ، ومع ذلك لم تثمر جهودهم إلا زيادة في أعداد المرضى النفسيين، ونحن لا نلغى إيجابياتهم وإنما نحاول تصحيح المسيرة .
وقد بدأ التفكير في كتابة هذا الكتاب حين كنت أسجل جلسات العلاج الجمعي التي كنت أعقدها في المسجد أسبوعياً وبعض جلسات العلاج الفردي أو السلوكي ذات المحتوى الإسلامي المتميز ، ثم فكرت أن أنقل هذه التجربة المتواضعة لكل من يريد أن يطلع عليها لتنجو جميعاً من غربتنا ونعود إلى هويتنا الإسلامية. وكان من حسن حظي أني كتبت هذا البحث وأنا قريب من بيت الله الحرام حيث كنت أوى إليه كلما نضب المعين أو ضعفت الشحنة فأستمد الطاقة الروحية وأنا أملاً عيني وقلبي بمهابة البيت الحرام وجلاله وأطالع في وجوه المؤمنين الخاشعين من كل الجنسيات، وكأننى كنت أريد أن أقرأ في وجوههم شيعاً لأستطيع أن أكتب هذا الكتاب لهم جميعاً ابتغاء مرضاة الله .
دكتور / محمد المهدى
٩ من ربيع الأول ١٤١٠ هـ
من أكتوبر ۱۹۸۹م
مأخوذة من مقدمة كتاب « العلاج النفسي في ضوء الاسلام » للدكتور محمد عبد الفتاح المهدي ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ، ص ٥ - ٩