فأن هذه الرسالة صغيرة الحجم كثيرة النفع، وكان علماء السلف رضي الله عنهم يعتنون بتهذيب النفس كل الاعتناء ، ويبذلون في سبيل ذلك الأرواح ، حيث انهم قد تحققوا ان الإنسان مهما ترقى بالعلوم الظاهرة لا يمكنه ان يعرف خالقه الا بمعرفة النفس ، اذ كما ورد «من عرف نفسه فقد عرف ربه»
وهذا لا يكون الا بسلوك طريق الآخرة واصلاح الاحوال الظاهرة والباطنة والتخلق بالأخلاق الفاضلة ، واعظم علاج لنيل ذلك كثرة الذكر لأن فيه جلاء القلوب ومحو العيوب والذنوب ، وفيه غذاء الروح وتقويها على البدن حتى تقرب من حقيقتها وتطلع على عالم الأمر وتحصل لها مشاهدات عجيبة وامور غريبة لا يدركها ولا يذوقها الا ارباب هذا السلوك ويصل صاحبها لمقام اليقين من معرفة رب العالمين . ويطمئن قلبه بكمال الايمان بواسطة كثرة الذكر ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وتصقل مرآة النفس بسببه ، وتتبدل من الأمارة بالسوء الى المطمئنة الى الكاملة . وقد ورد ان لكل شئ صقالة وصقالة القلوب (لا إله الا الله محمد رسول الله) ، فعلى من يظفر بهذه الرسالة بالإخلاص والعمل بها فإنه ورد من اخلص الله اربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
ولما كانت هذه الحقيقة مهمة وعليها في السلوك المعول قام بجمع هذه الرسالة من كلام العارفين الأستاذان الجليلان الشيخ عبدالقادر افندى الدهان والشيخ رجب افندي الطائي الحاتمي حفيد الشيخ الأكبر رضي الله عنه وبينوا فيها كيفية السلوك الى معرفة ملك الملوك ، وشرحوا ما يقع للسالك في اثناء الذكر في الخلوة حتى يكون على بصيرة من امره ، والله اسئل ان يجعل النفع العام لكل من يقرؤها ويسلك سبيل اهلها ويعمل بالشريعة المطهرة كما يقتضيه الذكر والله الموفق واليه يرجع الأمر كله .
رسالة السلوك الخادمة لجميع الطرق /
الكاتب: الدهان، عبد القادر. الطائي، محمد رجب.
فئة الموضوع: n.a.
الناشر: المطبعة العلمية،
مكان النشر: حلب :
تاريخ النشر: 1351 [1932/1933]
مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.
اما بعد ، فهذه رسالة مختصرة لبيان ما يحتاج اليه السالك في طريق الله ومقدمة لتسهيل فهم الأسفار الثلاثة الموضحة دائرة الوجوب والامكان والمبينة كيفية السلوك من ابواب الأطوار السبعة التي جمعناها من مؤلفات حضرة الاستاذ سيد العارفين الشيخ الأكبر قدس سره العالي تشتمل على كل ما يقتضى تفصيله وشرحه . ولكن حيث ان الدائرة لم يمكن طبعها في المطبعة شرحناها وفصلناها بصورة جدول في كتاب آخر وبينا هنا الأذكار التي تغرق المريد في لجة الأنوار واشرنا في جدول الذكر اليوميه من هذه الرسالة فى الخط المستوى بازاء التصورات التي هي من متممات قاعدة الذكر كل من اللطيفتين الحقية والخلقية لأن الأطوار الثلاثة الأول يعني الأمارة واللوامة والملهمة اللطيفة فيها خلقية وفي المطمئنة والراضية اللطيفة حقية كما سيعرف ذلك من الجدول اليومي فبهذا الاعتبار يكون عدد اللطائف خمسةً وهي الصدر والقلب والروح والسر والخفي ومحلاتها مذكورة، كل منها في مقام مخصوص.
ثم ادرجنا تحت الجدول ما يتوسل به السالك لدى الخالق من ادعية التوجه ، وما يشاهده في المنامات والواقعات ولكل مقام ما يخص به النوع الذي يستدل به على المقام الموصوفة به نفس السالك . واضفنا ايضاً انواع التجلي وبيناها في المقامات المطمئنة والراضية والمرضية تو الزكية ، فلذا لأجل ان يعرف مقام نفسه ويستفيد من تلقينات مرشده ينبغي لكل من طلاب الطرق المختلفة ان يقنني نسخة من هذه الرسالة وان كانت اصول وفروع الأذكار وعدد الأطوار مختلفة لكنها كلها ترجع الى حضرة واحدة وهي حضرة الله فلذلك سميناها بالوسيلة الهادية الجامعة لجميع الطرق او » الرسالة السلوك الخادمة لجميع الطرق« لكونها تقوم بمثابة المصباح للمريد الذي يروم الدخول في طريق الفلاح وتنوب عن السلاح للذاكر الذى مقصد لنفسه التهذيب والنجاح فطوبى للموفق على تطبيق احكامها وبشرى لمن ينال سعادة الدارين في الثبات على اورادها والاهتمام في اصلاح اعماله وتحسين اخلاقه و افعاله فنرجو الحق الفياض المطلق ان يفتح باب الفتوح والتوفيق لكل من يرغب بها الوصول الى مقام التحقيق الموصل الى خير الطريق والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم .