الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِوَاسِعِ الْكَرَمِ وَوَافِرِ الْجُودِ ، الَّذِي يُجِيبُ السَّائِلِينَ وَإِنْ قَصُرَتْ مِنْهُمُ الْهِمَمُ (أَحْمَدُهُ) تَعَالَى وَأَشْكُرُهُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَسْأَلُهُ اللُّطْفَ فِيمَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمُنَزَّهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِأَشْرَفِ آيَاتِهِ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الصِّدْقِ وَطَهَارَةِ الذِّمَمِ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ) كَمْ بِلَطَائِفِ النُّصْحِ وَعَظْنَاكَ ، وَكَمْ إِلَى مَوَاطِنِ الْأُنْسِ أَرْشَدْنَاكَ ، وَلَا زِلْتَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي صَمَمٍ ، مَا بَالُكَ تَرَكْتَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ وَسَلَكْتَ طَرِيقَ النَّدَمِ وَالْمَلَامَةِ ، وَأَتَيْتَ مَا يُخْزِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْأُمَمِ ، مَا لِلطَّاعَاتِ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا وِئَامٌ ، وَمَا لِلْمَعَاصِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا أَعْظَمُ الْتِئَامٍ ، وَمَا لِلْإِسْلَامِ شَادَهُ آبَاؤُكَ ثُمَّ لَمَّا جِئْتَ انْهَدَمَ ، التَّوَاضُعُ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ
فَمَا بَالُكَ تَبَاعَدْتَ عَنْهُمَا كَأَنَّهُمَا الْعَلْقَمُ ، لَيْسَ الْإِيذَاءُ مِنْ شَأْنِ الْإِسْلَامِ ، فَلِمَاذَا آذَيْتَ جَمِيعَ الْأَنَامِ ، وَمَا أَحَدٌ مِنْ شَرِّكَ الْفَظِيعِ يَسْلَمُ ، هَلْ آمَنْتَ ثُمَّ رَجَعْتَ ، أَمْ بِلِسَانِكَ أَسْلَمْتَ وَالْقَلْبُ مِنْكَ مَا أَسْلَمَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تُقْلِعَ عَنْ هَوَاكَ ، وَتَتْرُكَ الزَّيْغَ وَالْجَفْوَةَ وَتُصَالِحَ مَوْلَاكَ
أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَخَافَ يَوْمًا يُقْتَصُّ فِيهِ لِلْمَظْلُومِ مِمَّنْ ظَلَمَ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّكَ كُلَّمَا تَمَادَيْتَ عَلَى الْإِصْرَارِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ لَهَبُ النَّارِ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّكَ كُلَّمَا أَكْثَرْتَ مِنَ الْمَعَاصِي تَزَايَدَ عَلَيْكَ غَضَبُ الْجَبَّارِ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْأَحْكَمِ ، فَسَتَذْكُرُ مَا أَقُولُ لَكَ أَيُّهَا الْعَامِيُّ الْمِسْكِينُ ، إِذَا نُصِبَ الصِّرَاطُ وَوُضِعَ الْمِيزَانُ وَنُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ
وَقِيلَ لِلظَّالِمِ تَقَدَّمْ وَلِلْمَظْلُومِ قِفْ وَتَحَكَّمْ ، فَيَوْمَئِذٍ يُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ، وَيَخْلَعُ عَلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ حُلَلَ الْكَرَامَةِ وَالْإِنْعَامِ ، وَيُكْسَى أَهْلُ الْجَرَاءَةِ وَالْعُتُوِّ سَرَابِيلَ الشَّقَاءِ وَدُرُوعَ النِّقَمِ ، فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى الْمَتَابِ ، قَبْلَ أَنْ يُسَدَّ الطَّرِيقُ وَيُغْلَقَ الْبَابُ ، فَإِنَّهُ الْآنَ مُمْكِنٌ وَالْعَمَلُ مُغْتَنَمٌ ، وَالسُّرْعَةَ السُّرْعَةَ إِلَى الِاعْتِذَارِ ، قَبْلَ فَوَاتِ فُرْصَةِ الْأَعْمَارِ ، فَتُصْبِحَ وَقَدْ أَلَمَّ بِكَ أَشَدُّ أَلَمٍ
وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَعَدَّ حُدُودَهُ فِي سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ ، فَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ ، (الْحَدِيثُ) (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه الترمذي
الخطبة الثانية لجمادى الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَتَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَقْفَالَ الْأَسْرَارِ ، وَرَفَعَ لِلْمُخْلِصِينَ نِقَابَ الْحُجُبِ وَالْأَسْتَارِ ، فَطَالَعُوا بِرَحْمَتِهِ مَا شَاءَ لَهُمْ مِنَ الْغُيُوبِ (أَحْمَدُهُ) أَنْ اصْطَفَاكُمْ لِمَحَبَّتِهِ ، وَأَشْكُرُهُ أَنْ اجْتَبَاكُمْ لِمَوَدَّتِهِ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَنِي إِلَى جَنَابِهِمْ خَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاهِبُ الْعُقُولِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ خَيْرُ نَبِيٍّ وَأَكْرَمُ رَسُولٍ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ مَا دَفَعَتْ أَنْوَارُ الِاسْتِقَامَةِ ظَلَامَ الْخُطُوبِ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا ابْنَ آدَمَ) مَا لَكَ تَسْمَعُ الْمَوَاعِظَ كُلَّ جُمُعَةٍ وَلَا تَهْتَمُّ ، وَتُخَوَّفُ بِشَدَائِدِ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَأَنْتَ أَعْمَى وَأَصَمُّ ، وَلَا تَرْجِعُ عَنْ غَيِّكَ وَلَا تُقْلِعُ عَنْ هَوَاكَ وَلَا تَتُوبُ ، تُسَارِعُ إِلَى الْعِصْيَانِ وَتُبَادِرُ إِلَى الطُّغْيَانِ ، كَأَنَّهُ عَلَيْكَ مَفْرُوضٌ وَمِنْكَ مَطْلُوبٌ ، طَالَمَا سَمِعْتُمُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَمَا تَحَوَّلْتُمْ ، وَطَالَمَا ذُكِّرْتُمْ بِلَطَائِفِ الْحِكَمِ وَمَا تَغَيَّرْتُمْ ، حَتَّى كَأَنَّ غَيْرَكُمُ الْمُخَاطَبُ وَسِوَاكُمُ الْمَنْدُوبُ
وَاللَّهِ مَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلَّا بِعُكُوفِهَا عَلَى جَمْعِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ ، وَلَا جَمَدَتِ الْعُيُونُ إِلَّا بِالْوُقُوعِ فِي شَرَكِ الْأَمَلِ وَحُبِّ هَذِهِ الدَّارِ ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَصِلَ الْعَبْدُ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِبَابِهِ وَدَمْعُهُ مَسْكُوبٌ ، أَلَا يَكْفِي الْعَاصِيَ خَجْلَتُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ
إِذَا قَالَ لَهُ يَا عَبْدَ السَّوْءِ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ إِلَيَّ تَعُودُ ، وَحَسْرَتُهُ وَانْدِهَاشُهُ إِذَا ابْيَضَّتِ الْوُجُوهُ وَوَجْهُهُ بِالسَّوَادِ مَشُوبٌ ، هَذَا وَسَبَبُ كُلِّ مُصِيبَةٍ إِفْشَاءُ الْمُنْكَرَاتِ وَإِذْعَانُ الْمُوبِقَاتِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهِ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَهُوَ غَالِبٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَظِّمُوا شَعَائِرَهُ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَأَخْلِصُوا لَهُ وَأَصْحِبُوا الْخَوْفَ مِنْهُ فَإِنَّهُ نِعْمَتِ الْبِضَاعَةُ ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا اكْتَسَبَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْجَأَهَا الْيَوْمُ الْمَرْهُوبُ ، يَوْمَ يُحْشَرُ الْمُتَّقُونَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، وَيُسَاقُ الْمُجْرِمُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ، يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، (الْحَدِيثُ) (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) رواه مسلم