اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي تَعَاظَمَ فِي مَلَكُوتِهِ ، وَتَعَالَى فِي كِبْرِيَائِهِ وَجَبَرُوتِهِ ، فَجَلَّ وَاقْتَدَرَ وَقَهَرَ (أَحْمَدُهُ) عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ ، وَأَسْأَلُهُ اللُّطْفَ فِيمَا جَرَى بِهِ الْقَدَرُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ سَيِّدَ الْأَبْرَارِ اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ بِأَوَامِرِهِ ائْتَمَرَ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) تَيَقَّظُوا مِنْ سِنَةِ الْغَفَلَاتِ ، وَتَلَبَّهُوا مِنْ رَقْدَةِ الْجَهَالَاتِ ، فَقَدِ انْقَضَى الْمُحَرَّمُ وَحَلَّ بِكُمْ صَفَرُ ، أَلَيْسَ هَذَا مِنْ عَلَامَاتِ فَنَاءِ هَذِهِ الدَّارِ ، وَمِنْ أَمَارَاتِ الرَّحِيلِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ ، فَاعْتَبِرُوا فَالسَّعِيدُ مَنْ أَعْتَبَرَ ، وَالشَّقِيُّ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمُضِيِّ الشُّهُورِ ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِمُرُورِ الدُّهُورِ ، فَوَقَعَ فِي شَرِّ الْحَفْرِ
أَيُّهَا الشُّبَّانُ هَذَا أَوَانُ الْجِهَادِ وَالْكَفِّ عَنِ الشَّهَوَاتِ ، هَذَا أَوَانُ تَحْصِيلِ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ ، وَطَاعَةِ اللهِ الْعَلِيِّ الْأَكْبَرِ
أَيُّهَا الشُّيُوخُ ذَهَبَ الشَّبَابُ فَلَا يَعُودُ ، وَتَهَدَّمَتْ أَرْكَانُ أَعْمَارِكُمْ وَالصَّحَائِفُ سُودٌ ، وَجَاءَ الْمَشِيبُ نَذِيرًا بِقُرْبِ الرَّحِيلِ وَالسَّفَرِ ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى اللهِ بِتَطْهِيرِ نُفُوسِكُمْ مِنَ الْأَوْزَارِ ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ بِالصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْأَسْحَارِ ، وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ فِي الْآصَالِ وَالْبُكَرِ ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ مِنَ الْأَوْصَافِ الدَّنِيَّهِ ، وَخَلِّصُوا سَرَائِرَكُمْ مِنَ الْأَدْنَاسِ الْوَبِيَّهِ ، كَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْبُغْضِ وَالْبَطَرِ ، فَمَنْ صَلَحَ قَلْبُهُ صَلَحَ جَسَدُهُ كُلُّهُ ، وَمَنْ فَسَدَ قَلْبُهُ فَسَدَ جَسَدُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ، وَاسْتَوْجَبَ الْعَذَابَ فِي سَقَرَ
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَكُمْ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ ، وَمَا قَدَّرَهُ تَعَالَى أَزَلًا وَقَضَاهُ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ، وَاحْذَرُوا التَّشَاؤُمَ وَالطِّيَرَةَ ، فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ الْكَفَرَةِ ، وَقَدْ أَبْطَلَ ذَلِكَ دِينُنَا الْحَنِيفُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ ، مَا قُدِّرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ، وَمُعَادَاةُ الْأَيَّامِ جُنُونٌ ، وَاللهِ الْمُقَدِّرُ لَا الْمُحَرَّمُ وَلَا صَفَرُ ، فَلَا شُؤْمَ فِي شُهُورٍ وَلَا أَيَّامٍ ، وَإِنَّمَا أَشْأَمُ أَيَّامِكَ مَا اقْتَرَفْتَ فِيهِ الْآثَامَ ، وَعَصَيْتَ فِيهِ مَنْ عَلَا وَاقْتَدَرَ ، كَمَا أَنَّ أَسْعَدَ أَيَّامِكَ يَوْمٌ أَطَعْتَ فِيهِ مَوْلَاكَ ، وَانْتَهَيْتَ فِيهِ عَمَّا عَنْهُ نَهَاكَ ، وَتَجَنَّبْتَ فِيهِ عَمَلَ مَنْ بَغَى وَطَغَى وَفَجَرَ
وَلَا تُسَوِّفُوا فَإِنَّ الْأَعْمَارَ فِي قِصَرٍ ، وَتَذَكَّرُوا مَرَارَةَ الْمَوْتِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبَشَاعَةِ ، وَاسْتَعِدُّوا لِدَوَاهِي أَهْوَالِ السَّاعَةِ ، فَإِنَّ السَّاعَةَ أَدْهَى وَأَمَرُّ ، وَشَمِّرُوا عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ وَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ نَبِيِّكُمُ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ فَإِنَّمَا يَدْعُوكُمْ لِتَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ، وَتَدَبَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (الحديث) ( يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وَقَالَ ( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ ) رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ