اَلْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي اصْطَفَى مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ الذَّاتَ الْمُحَمَّدِيَّةَ ، وَأَمَدَّ أَحِبَّاءَهُ وَأَصْفِيَاءَهُ مِنْ تِلْكَ الذَّاتِ السَّنِيَّةِ ، وَجَعَلَهَا مِنَ الْقِدَمِ وَاسِطَةً لِجَمِيعِ الْبَرِيَّةِ ، (أَحْمَدُهُ) أَنْ هَدَانَا لِلْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، وَأَشْكُرُهُ أَنْ جَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ خَيْرِ الْأَنَامِ ، الْمَخْصُوصَةِ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ بِأَشْرَفِ مَزِيَّةٍ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الرَّحِيمُ الْكَرِيمُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ ،
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْعَوَالِمَ عُلْوِيَّاتٍ وَسُفْلِيَّاتٍ ، أَبْرَزَ مِنَ الْعَدَمِ نُورًا وَقَالَ لَهُ كُنْ مُحَمَّدًا سَيِّدَ السَّادَاتِ ، فَكَانَ نُورًا غَيْبِيًّا إِلَهِيًّا لَا تَصِلُ إِلَى إِدْرَاكِهِ الْعُقُولُ الذَّكِيَّةُ ، وَأَمَدَّهُ تَعَالَى بِمَدَدِهِ حَتَّى صَارَ مَادَّةً لِكُلِّ حَقِيقَةٍ ، وَصَارَ يَمْنَحُهُ فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِهِ مَنْقَبَةً أَنِيقَةً
أَلَا تَرَاهُ لَمَّا انْتَقَلَ إِلَى آدَمَ سَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَاتَّخَذَهُ اللهُ صَفِيَّةً ، وَحِينَ وَصَلَ إِلَى نُوحٍ سَلِمَتْ سَفِينَتُهُ مِنَ الدَّمَارِ ، وَإِذِ اسْتَقَرَّ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ أُوتِيَ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ وَسَلِمَ مِنَ النَّارِ ، وَنَجَا مِنَ الذَّبْحِ إِسْمَاعِيلُ بِنَقْلَةِ تِلْكَ الْجَوْهَرَةِ الْمَرْضِيَّةِ ، وَلَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِنَ الْأَصْلَابِ الشَّرِيفَةِ الْفَاخِرَةِ ، إِلَى الْبُطُونِ الطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ وَأُمِّهِ آمِنَةَ الزُّهْرِيَّةِ
وَهُنَا طَرِبَ الْعَالَمُ وَفَاضَتْ بِحَارُ الْبَرَكَاتِ ، وَصَفَا الْوَقْتُ وَعَمَّ الْخِصْبُ وَتَلَأْلَأَتِ الْكَائِنَاتُ ، وَتَنَكَّسَتِ الْأَصْنَامُ عَلَى رُؤُوسِهَا وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَمْ تَزَلْ أُمُّهُ تَرَى مِنْ آيَاتِهِ مَا لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَفْهَامُ ، حَتَّى وَضَعَتْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَاجَ الْوَرَى وَبَهْجَةَ الْأَنَامِ ، مَخْتُونًا مَقْطُوعَ السُّرِّ لَمْ يَرَ أَحَدٌ سَوْأَتَهُ كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سُوقِ اللَّيْلِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ ، فِي مِثْلِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ عَامِ الْفِيلِ الَّذِي صَدَّهُ اللهُ عَنِ الْكَعْبَةِ الْمُفَخَّمَةِ ، لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ قُبَيْلَ طُلُوعِ اللَّمْعَةِ الْفَجْرِيَّةِ ، شَبَّ وَعَيْنُ الْعِنَايَةِ تَرْعَاهُ ، يُؤَدِّبُهُ بِأَكْمَلِ الْآدَابِ مَوْلَاهُ
إِذْ كَانَ بَيْنَ أُمَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ أُمِّيَّةٍ ، بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ فَخُتِمَتِ الرِّسَالَةُ بِبِعْثَتِهِ ، كَمَا بُدِئَتِ الْخَلِيقَةُ بِنُورِ طَلْعَتِهِ ، فَأَنْعِمْ بِهَا مِنْ عَطِيَّةٍ ، دَعَا النَّاسَ إِلَى الْمَلِكِ الْعَلَّامِ ، وَكَسَرَ الْأَصْنَامَ وَأَظْهَرَ الْأَحْكَامَ ، وَكُسِيَتْ أُمَّتُهُ خِلْعَةَ الْأَفْضَلِيَّةِ ، فَعَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِ شَرِيعَتِهِ الْغَرَّاءِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ ، وَلَا تُكْثِرُوا الْمَعَاصِي اتِّكَالًا عَلَى مَا لَهُ مِنْ عَظِيمِ الْجَاهِ ، وَتَوَسَّلُوا إِلَى اللهِ بِجَاهِهِ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ
وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تَمْرَضُوا فَمَنْ أَعْرَضَ فَإِنَّهُ غَدًا فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) (الْحَدِيثُ) (خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي لَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ) رواه الطبراني في الأوسط