اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَرَضَ الزَّكَاةَ تَزْكِيَةً لِلْمُكْثِرِينَ ، وَتَوْسِعَةً عَلَى عِبَادِهِ الْمُقِلِّينَ ، وَعَدَ مَنْ بَذَلَهَا لِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُقْرِضِينَ ، (أَحْمَدُهُ تَعَالَى) وَأَشْكُرُهُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ وَفَضَّلَهُ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ بَذَلُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) إِنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ أَكِيدٌ ، وَوَعِيدَ تَارِكِهَا شَدِيدٌ ، وَمَا نَفْعُهَا عِنْدَ اللهِ مُهِينٌ ، وَإِنَّمَا مَالٌ قَلِيلٌ ، يُعْطَى عَلَيْهَا أَجْرٌ جَزِيلٌ ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَذَابٌ وَبِيلٌ مُبِينٌ ، أَلَا وَإِنَّ اللهَ فِي غِنًى عَنْهَا ، وَلَيْسَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهَا ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ تَطْهِيرًا لِنُفُوسِ الْمُنْفِقِينَ ، فَرَضَهَا حِفْظًا لِلْبِلَادِ ، وَصَوْنًا لِلْعِبَادِ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْفَسَادِ ، وَمِنَ الصَّابِغِينَ وَالسَّارِقِينَ
فَإِنَّ السَّائِلَ لَمْ يَصِلْ إِلَّا لِاضْطِرَارِهِ وَشِدَّتِهِ ، وَالسَّارِقَ لَمْ يَسْرِقْ إِلَّا لِحَاجَتِهِ ، وَلَوْ وُسِّعَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَتَجَرَّأَ عَلَى الْمَالِكِينَ ، شَرَعَهَا لِأَنَّهَا السَّبَبُ الْأَعْلَى لِزِيَادَةِ الْأَمْوَالِ ، وَتَطْهِيرِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ ضِيَاعِهَا وَمَصْرِفِهَا فِي طُرُقِ الضَّلَالِ ، وَتَكْفِيرِ أَوْزَارِ الْمُذْنِبِينَ ، وَإِنَّهَا فَرْضٌ مَنْ أَنْكَرَهُ فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَمَنَعَهُ فَقَدْ فَسَقَ وَفَجَرَ ، وَكَانَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ مِنَ الْمَلْعُونِينَ ، فَوَاللهِ مَا نَزَلَتْ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ ، وَلَا ظَهَرَتْ مَتَالِفُ بَرِّيَّةٌ وَلَا بَحْرِيَّةٌ ، إِلَّا بِحَبْسِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ ، فَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِهَا فَإِنَّهَا نِعْمَ الْحِصْنُ الْأَعْظَمُ ، وَلَا تُضِيعُوا حَقَّ اللهِ وَاعْمَلُوا بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْأَكْرَمِ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْأَغْنِيَاءُ وُكَلَاءُ اللهِ فِي إِعْطَاءِ عَبِيدِهِ السَّائِلِينَ ، فَلَا تَبْخَلُوا بِمَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ بِالْإِعْطَاءِ يَزِدْكُمْ فِيمَا أَوْلَاكُمْ ، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ فِيهِ مُسْتَخْلَفِينَ ، وَلَا يَخْدَعَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ بِمَخَافَةِ الْفَقْرِ ، فَإِنَّكُمْ لَمْ تَنَالُوا الْمَالَ إِلَّا بِفَضْلِ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ ، ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَيْحَكَ يَا مِسْكِينُ جَمَعْتَ الْأَمْوَالَ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ ، وَمَنَعْتَ مِنْهَا حَقَّ مَوْلَاكَ ذِي الْجَلَالِ ، وَسَتَرَى كَيْفَ تُصْرَفُ فِي أَوْدِيَةِ الْفُسُوقِ وَالْفَسَادِ وَالشَّيَاطِينِ ، هَذَا وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ مَلَكَ النِّصَابَ ، وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَعِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ الْمُسْتَطَابِ ، إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ مِنَ السِّنِينَ ، وَفِيهِ مَا رُبُعُ الْعُشْرِ ، وَنِصَابُ الْحُبُوبِ أَرْبَعَةُ أَرْادِبَّ وَوَيْبَةٌ بِكَيْلِ مِصْرَ ، وَيَجِبُ فِيهَا نِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ سُقِيَتْ بِمُؤْنَةٍ وَإِلَّا فَالْعُشْرُ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ
هَذَا وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ دَفْعَ أَمْوَالِ الْأَطْيَانِ يَقُومُ مَقَامَ إِخْرَاجِهَا ، وَأَنَّ ذِمَّتَكُمْ بِذَلِكَ تَبْرَأُ مِنْ دَفْعِهَا ، لَا بَلْ لَابُدَّ مِنْ إِخْرَاجِهَا كَمَا فَصَّلْنَاهُ بِشَرْعِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَشْتَدُّ فِيهِ غَضَبُ الْجَبَّارِ ، وَتَعْظُمُ الْحَسَرَاتُ وَتَتَزَايَدُ الزَّفَرَاتُ وَلَا تَنْفَعُ الْأَنْصَارُ ، وَيَحِلُّ الرَّوْعُ وَيُلْجِمُ الْعَرَقُ الْمُجْرِمِينَ ، يَوْمَ تُنَادِي جَهَنَّمُ أَيْنَ تَارِكُو الصَّلَاةِ ، أَيْنَ مَانِعُو الزَّكَاةِ ، أَيْنَ مَنْ أَعْرَضَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، يَوْمَ يَقِفُ الظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ، وَهُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ، وَيَجِدُ مَا أَسْلَفَهُ فِي دُنْيَاهُ ، وَكُلُّ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ،
فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا كَمَا أُمِرْتُمْ ، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، (الْحَدِيثُ) «وَيْلٌ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنَ الْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ رَبَّنَا ظَلَمُونَا حُقُوقَنَا الَّتِي فُرِضَتْ لَنَا عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُدْنِيَنَّكُمْ وَلَأُبْعِدَنَّهُمْ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ