اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَجْرَى مَقَادِيرَ الْأُمُورِ بِقُدْرَتِهِ ، وَدَبَّرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ بِجَلِيلِ حِكْمَتِهِ ، وَفَضَّلَ مَا شَاءَ مِنَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ
(أَحْمَدُهُ اللهَ) عَلَى جَزِيلِ إِنْعَامِهِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى وَافِرِ إِكْرَامِهِ ، وَأَسْأَلُهُ اللُّطْفَ فِي الْمَقْدُورِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُبِيدُ الْأُمَمِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الْفَضْلِ الْمَشْهُورِ
( أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ ) كَيْفَ التَّعَاظُمُ عَلَى الْمَلِكِ الْجَلِيلِ ، وَإِنَّ مَا سِوَاهُ وَإِنْ عَظُمَ حَقِيرٌ ذَلِيلٌ ، وَكَيْفَ الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ وَضَجْعَةِ الْقُبُورِ ، وَكَيْفَ الْإِقْدَامُ عَلَى ارْتِكَابِ الْأَوْزَارِ ، وَكَيْفَ التَّغَافُلُ وَالتَّعَامِي عَنْ ذِكْرِ الْقَرَارِ ، مَعَ إِقْرَارِكُمْ بِيَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ، فَاغْتَنِمُوا هَذِهِ الْأَعْمَارَ ، فَإِنَّهَا لَحَظَاتٌ قِصَارٌ ، وَاحْذَرُوا الْمَعَاصِيَ فَإِنَّهَا جَالِبَةٌ لِلشُّرُورِ
فَيَا أَيُّهَا الْعَاصِي مَا هَذَا التَّعَامِي ، وَمَا هَذَا التَّوَانِي وَالتَّلَاعُبُ وَالتَّقَاصِي ، وَمَا هَذِهِ الْجَفْوَةُ وَالتَّهَاوُنُ وَالْقُصُورُ ، مَا أَنْتَ إِلَّا مَذْبُوحٌ بِمُدْيَةِ الْجَهَالَةِ ، وَغَرِيقٌ فِي بِحَارِ الْغَبَاوَةِ وَالضَّلَالَةِ ، وَلَسْتَ فِي حَالِكَ هَذَا بِمَعْذُورٍ ، إِذْ كَيْفَ يَكُونُ الِاعْتِذَارُ ، وَعُلَمَاءُ الدِّينِ بَيْنَ يَدَيْكَ غِزَارٌ
وَهَذَا كِتَابُ رَبِّكَ فِيهِ ضِيَاءٌ وَنُورٌ ، بَيْنَمَا أَنْتَ بِلَعِبِكَ وَلَذَّاتِكَ مَشْغُولٌ ، وَبِشِيشَتِكَ وَأَفْيُونِكَ وَخَمْرِكَ مَشْمُولٌ ، وَبِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبَغْيِ مَسْرُورٌ ، إِذْ نَزَلَتْ بِكَ يَا مِسْكِينُ دَوَاعِي الْحِمَامِ ، فَأَمْسَيْتَ فَرِيدًا فِي بَيْتِ الْوَحْشَةِ وَالظَّلَامِ ، تُرِيدُ الرَّجْعَةَ وَمَا تَنَالُهَا وَأَنْتَ مَحْبُورٌ
كَيْفَ بِكَ إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا ، وَقَرَعَتِ الْقَارِعَةُ وَوَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا أَتَى ، وَبُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ، وَأَلْزَمَ كُلَّ إِنْسَانٍ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ، وَدَنَتِ الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ وَأُلْجِمَ كُلٌّ فِي عَرَقِهِ ، وَنُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ وَنُصِبَتِ الْمَوَازِينُ وَظَهَرَ الْمَسْتُورُ ، هُنَالِكَ تَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً سُكَارَى ، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ حَيَارَى ، كَيْفَ لَا وَهُوَ يَوْمٌ يَشْتَدُّ فِيهِ الْغَضَبُ وَتَعْظُمُ الشُّرُورُ هَذَا يَوْمٌ يَشِيبُ فِيهِ الْوَلِيدُ
هَذَا يَوْمٌ تَقُولُ فِيهِ جَهَنَّمُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، هَذَا يَوْمٌ تَجْرِي فِيهِ الْعَبَرَاتُ كَالْبُحُورِ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَلَا تَخْلَعُوا مَلَابِسَ الْعِصْيَانِ ، وَجَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ وَدَعُوا الْكِبْرَ وَالطُّغْيَانَ ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ . (الحديث) ( مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ فَارَقَهَا وَاللهُ عَنْهُ رَاضٍ ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ