﴿ الخطبة الثالثة لربيع الأول ﴾
اَلْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بَعَثَ فِينَا أَنْبِيَاءَ وَرُسُلًا ، وَمَهَّدَ لَنَا فِي أَكْتِسَابِ السَّعَادَةِ دَلَائِلَ وَسُبُلًا ، وَشَرَّفَنَا عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ وَكَسَانَا خِلْعَةَ التَّفْضِيلِ ، (أَحْمَدُهُ) أَنْ جَعَلَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْضِيَّةِ ، الْفَائِزَةِ بِالْقُرْبِ فِي دَارِ السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ ، الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ تَشْرِيفَهَا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ
، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ خَيْرُ الْأَنَامِ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ شَادُوا الدِّينَ بِأَقْوَى دَلِيلٍ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) إِلَى مَتَى هَذَا التَّوَانِي وَالْعُمْرُ فِي النُّقْصَانِ ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الْإِعْرَاضُ وَالْأَجَلُ قَدْ حَانَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ عُمْرِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا كَأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ ، وَأَنَّ نَعِيمَهَا زَائِلٌ وَلَيْسَ بِدَائِمٍ ، وَأَنَّهَا غَدَّارَةٌ مَكَّارَةٌ فَكَمْ قَتَلَتْ مِنْ قَتِيلٍ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّكَ مُعَرَّضٌ لِلْآفَاتِ ، وَإِنْ نَجَوْتَ مِنْهَا فَلَا بُدَّ مِنَ السَّكَرَاتِ ، وَمُقَاسَاةِ الْأَهْوَالِ عِنْدَ الرَّحِيلِ
فَإِذَا ارْتَحَلْتَ نَسِيَكَ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ ، وَأَنْكَرَكَ الْأَهْلُ وَجَفَاكَ الْخِلَّانُ وَالْأَصْدِقَاءُ ، وَصِرْتَ عِنْدَهُمْ جِيفَةً قَذِرَةً يَا لِقُبْحِ مَنْظَرِكَ الرَّذِيلِ ، فَإِذَا ذَهَبُوا بِكَ إِلَى بَيْتِ الْوَحْشَةِ وَأُهِيلَ عَلَيْكَ
وَاتَّقُوا اللهَ وَاذُرُوا كَوَاحِبَ الدُّنْيَا وَطُولَ الْأَمَلِ (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (الْحَدِيثُ) (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) رواه البخاري وَقَالَ (أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ . جُمُودُ الْعَيْنِ . وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ . وَطُولُ الْأَمَلِ . وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا) رواه البزار
﴿ الخطبة الرابعة لربيع الأول ﴾
اَلْحَمْدُ لِلهِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا بَدْءَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ، اَلْآخِرِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لِآخِرِيَّتِهِ ، اَلَّذِي لَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ ، (أَحْمَدُهُ) تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ الْجَزِيلَةِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مِنَنِهِ الْجَلِيلَةِ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَهْدِيهِ عَلَى الدَّوَامِ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) إِلَى مَتَى هَذَا الْعِصْيَانُ ، وَالْاِنْهِمَاكُ فِي الشَّهَوَاتِ وَالطُّغْيَانِ ، أَمَا تَعْتَبِرُونَ بِتَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، أَمَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَنْ مَضَى مِنْ صَالِحِ السَّلَفِ ، فَقَدْ كَانُوا لِأَسْلَافِهِمُ الْكِرَامِ خَيْرَ خَلَفٍ ، وَكَانُوا يَجْتَنِبُونَ الشُّرُورَ وَالْفَسَادَ وَالْآثَامَ ، كَانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِدِينِ اللهِ الْمَتِينِ ، وَلَا يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ اللَّائِمِينَ
، وَلَا يُدَاهِنُونَ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْأَحْكَامِ ، صَرَفُوا أَعْمَارَهُمْ فِي حُسْنِ الْاِتِّبَاعِ ، وَحَفِظُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قُبْحِ الْاِبْتِدَاعِ ، وَكَفُّوا أَلْسِنَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ وَأَفْئِدَتَهُمْ عَنِ الْحَرَامِ ، وَبَالَغُوا فِي تَصْفِيَةِ قُلُوبِهِمْ ، وَتَسَابَقُوا فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ ، وَقَامُوا بِطَاعَتِهِ أَحْسَنَ قِيَامٍ ، فَفَازُوا بِجَلِيلِ الْمَرَاتِبِ ، وَحَازُوا جَمِيلَ الْمَوَاكِبِ ، وَنَالُوا لَذَّةَ الْقُرْبِ فِي دَارِ السَّلَامِ
فَوَا عَجَبًا لِأَبْنَاءِ هَذَا الزَّمَانِ ، يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَقَدْ خَالَفُوهُمْ فِي كُلِّ شَأْنٍ ، وَارْتَكَبُوا الْمَسَاوِيَ وَاشْتَغَلُوا بِالدَّعَاوِي وَأَلِفُوا الْحُكَّامَ ، وَتَرَكُوا الْأَمَانَةَ ، وَأَتَوُا الْفُحْشَ وَالْخِيَانَةَ ، وَلَمْ يَخْشَوُا الْعَزِيزَ الْعَلَّامَ ، يَجْتَمِعُونَ بِخَانَاتِ الْفُسَّاقِ ، وَيَفِرُّونَ مِنْ بُيُوتِ الْخَلَّاقِ ، وَلَا مُبَالَاةَ عِنْدَهُمْ وَلَا احْتِرَامَ ، تَرَى نِسَاءَهُمْ مُتَبَرِّجَاتٍ ، وَبِالْمَحَارِمِ وَالْفِسْقِ غَيْرَ مُبَالِيَاتٍ ، وَرُبَّمَا شَاهَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَلَا نَكِيرَ وَلَا مَلَامَ ، أَحَاطَ بِالْمَرْأَةِ الْبُوَّازُ ، وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا لَا يَغَارُ ، فَأَيْنَ الْمُرُوءَةُ يَا أُولِي الْإِسْلَامِ ،
أَمَا نَهَى اللهُ عَنِ التَّبَرُّجِ فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ ، أَمَا قَالَ لِلرِّجَالِ فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، فَأَيْنَ الْعَمَلُ بِالْآيَاتِ الْكِرَامِ ، فَاتَّقُوا اللهَ وَتَنْبِهُوا مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ وَاخْشَوْا يَوْمَ الْحِسَابِ ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَأَحْسِنُوا الْمَتَابَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِكُمْ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَنَامُ ، وَرْكَبُوا مَطَايَا الْإِخْلَاصِ ، وَتَخَلَّصُوا مِنْ وَسَائِلِ الْقِصَاصِ ، وَسَارِعُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ بِكُلِّ اهْتِمَامٍ وَرَاقِبُوا مَنْ لَهُ الْعِزَّةُ وَالْجَبَرُوتُ وَالْكِبْرِيَاءُ ، (إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (الْحَدِيثُ) (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ) رواه الحاكم
﴿ الخطبة الخامسة لربيع الأول ﴾
﴿ الخطبة الخامسة لربيع الأول ﴾ اَلْحَمْدُ لِلهِ مُضَاعِفِ الْحَسَنَاتِ ، قَابِلِ التَّوْبِ غَافِرِ السَّيِّئَاتِ ، ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ ، (أَحْمَدُهُ) عَلَى جَزِيلِ عَطَائِهِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَلِيلِ نَعْمَائِهِ ، وَأَسْأَلُهُ الْهِدَايَةَ إِلَى أَقْوَمِ سَبِيلٍ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْأَحَدِيَّةِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ قَائِمٍ بِآدَابِ الرُّبُوبِيَّةِ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْهُدَاةِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) فَشَتِ الْمَعَاصِي فِي أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ ، وَكَثُرَ مِنْهُمُ الضَّلَالُ وَالْمَسَاوِي وَالْآثَامُ ، وَسَرَى سُمُّهَا إِلَى بَوَاطِنِ الْقُلُوبِ حَتَّى أَصْبَحَتْ إِلَى الْخَيْرِ لَا تَمِيلُ ، وَجَارَ الْجَارُ عَلَى جَارِهِ ، وَتَعَاظَمَ الْغَنِيُّ بِدِينَارِهِ ، وَتَطَاوَلَ الْعَزِيزُ عَلَى الذَّلِيلِ ، وَشَاعَ بَيْنَهُمُ النَّقْصُ فِي الْمِيزَانِ وَالْمِكْيَالِ ، وَوَقَعَ الْغِشُّ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ ، وَفَشَا الرِّبَا وَعَمَّ الرِّبَا وَلَا حَيَاءَ مِنَ الرَّبِّ الْجَلِيلِ ، لِهَذَا عَمَّتِ النِّقْمَةُ
وَلِهَذَا قَلَّتِ النِّعْمَةُ ، وَضَاقَتْ عَلَى الرَّحْمَةِ السَّبِيلُ ، وَتَزَايَدَ فِي النَّاسِ الْعَنَاءُ ، وَقَلَّ فِيهِمُ الْخِصْبُ وَالرَّخَاءُ ، وَغَدَا الْكُلُّ يَحْمِلُ مُصَابًا ثَقِيلًا ، وَمَعَ هَذَا فَالْكُلُّ يُصْبِحُ وَيُمْسِي فِي رُبُوعِ الْغَفَلَاتِ ، وَيَتِيهُ فِي أَوْدِيَةِ الْخُسْرَانِ وَمَرَاكِعِ الْجَهَالَاتِ ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَكَفَى نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَإِلَى مَتَى هَذِهِ الْقَسْوَةُ وَالطُّغْيَانُ ، وَإِلَى مَتَى مُتَابَعَةُ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ ، وَالْعُمْرُ قَصِيرٌ غَيْرُ طَوِيلٍ ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الذُّهُولُ ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الْخُمُولُ ، وَقَدْ أَذْهَبَ الْمَوْتُ آبَاءَكُمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الْفُجُورُ ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الْإِعْرَاضُ وَالْغُرُورُ
وَقَدْ سَمِعْتُمْ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ، وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَجْهَلَكَ ، وَمَا أَقَلَّ حَيَاءَكَ وَمَا أَرْذَلَكَ ، يَدْعُوكَ رَبُّكَ إِلَى الرَّشَادِ فَتَأْبِي إِلَّا أَنْ تَضِلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ، وَتُبَارِزُهُ بِالْعِصْيَانِ ، وَقَدْ غَمَرَكَ بِالْإِحْسَانِ ، وَعَمَّكَ بِبِرِّهِ الْجَزِيلِ ، وَتَصِفُ نَفْسَكَ بِصِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ، كَأَنَّكَ شَرِيكٌ لَهُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ ، مَعَ اعْتِرَافِكَ بِأَنَّكَ عَبْدُهُ وَفِي سَاحَةِ مُلْكِهِ نَزِيلٌ ، وَتَرْضَى بِالْأَبْعَادِ ، بَدَلًا مِنْ لَذِيذِ الْوِدَادِ ، لَبِئْسَ وَاللهِ الْبَدِيلُ ، فَشَمِّرُوا عَنْ سَاعِدِ الْاِجْتِهَادِ ، وَقُومُوا عَلَى قَدَمِ الرَّشَادِ وَالسَّدَادِ ، فَبَيْنَ يَدَيْكُمْ يَوْمٌ تُحَاسَبُونَ فِيهِ عَلَى الْقِطْمِيرِ وَالْفَتِيلِ
وَاتَّقُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ ، وَاقْتَفُوا آثَارَ نَبِيِّكُمْ وَاجْتَنِبُوا الْبِدَعَ وَأَحْيُوا الشَّعَائِرَ ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ، (الْحَدِيثُ) (اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) رواه الحاكم