الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

الخطبة الثالثة والرابعة لربيع الثاني

اَلْحَمْدُ للهِ غَافِرِ الذُّنُوبِ ، قَابِلِ التَّوْبِ مِمَّنْ يَتُوبُ ، لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (أَحْمَدُهُ) وَضَّحَ لَنَا طَرِيقَ الْحَقِّ بِأَعْلَامِ الْهِدَايَةِ ، وَأَشْكُرُهُ قَدَّسَ بَصَائِرَ أَهْلِ مَحَبَّتِهِ مِنْ دَنَسِ الْغَوَايَةِ ، وَأَسْتَغْفِرُهُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالتَّقْصِيرِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ بَهِيُّ الْجَمَالِ ، اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَمْلَأْ سَرَائِرَنَا بِلَطَائِفِ أُنْسِ جَمَالِكَ يَا عَزِيزُ يَا قَدِيرُ

(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) لَقَدْ غَرِقْتُمْ فِي بِحَارِ الْمَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ ، وَشَرِبْتُمْ مِنْ مَنَاهِلِ التَّقْصِيرِ وَالْغَفَلَاتِ ، وَنَسِيتُمُ الْمَوْتَ وَمَطَايَا كُمْ إِلَى الْقُبُورِ تَسِيرُ ، وَصَرَفْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ كُلَّ عَلَى اللهِ الْقُلُوبِ ، وَأَعْرَضْتُمْ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَتَعَامَلْتُمْ بِالرِّبَا وَتَجَاهَرْتُمْ بِالزِّنَا ، وَأَدْمَنْتُمُ الْخَمْرَ وَلَزِمْتُمُ الْفُحْشَ وَالْخَنَا ، وَمَا أُقِيمَ للهِ فِيكُمْ حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ ، وَأَكْثَرْتُمُ الْفَسَادَ بَرًّا وَبَحْرًا ، وَعَصَيْتُمْ رَبَّكُمْ سِرًّا وَجَهْرًا

وَمَا لَمَّا لِمِكُمْ عَلَى جَاهِلِكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ، وَإِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَيْكُمُ سِهَامُ الْمَلَامِ ، أَخَذَتْكُمُ الْحِدَّةُ وَالْغَضَبُ وَالْكِبْرُ وَالْخِصَامُ ، وَاعْتَذَرْتُمْ بِأَنَّ ذٰلِكَ مِنْ سَوَابِقِ التَّقْدِيرِ ، وَإِذَا أَتَيْتُمْ عَمَلًا أَفْسَدْتُمُوهُ بِالرِّئَاءِ وَالْعُجْبِ ، وَأَيُّ قُبْحٍ أَشْنَعُ مِنْ إِفْسَادِ الْعَمَلِ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ الرَّبُّ ، كَيْفَ وَمَا وَرَاءَ ذٰلِكَ إِلَّا الْمَقْتُ وَالْغَضَبُ وَسُوءُ الْمَآلِ وَالتَّدْمِيرُ ، إِنَّكُمْ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، وَإِنَّكُمْ لَفِي غَيٍّ مُبِينٍ

وَلَوْ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِمَا كَسَبْتُمْ لَعَجَّلَ لَكُمُ الْعَذَابَ بِلَا تَأْخِيرٍ ، وَلٰكِنَّهُ تَعَالَى مَعَ قُدْرَتِهِ حَلِيمٌ ، وَمَعَ كَمَالِ جَلَالِهِ لَطِيفُهُ وَاسِعٌ عَظِيمٌ ، وَمَدَّ شَمِلَتْ أَلْطَافُهُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ ، فَأَفِيقُوا رَحِمَكُمُ اللهُ مِنْ سِنَةِ الْغَفَلَاتِ ، وَتَيَقَّظُوا هَدَاكُمُ اللهُ مِنْ رَقْدَةِ الْجَهَالَاتِ ، فَإِنَّ الْمَوْتَ قَرِيبٌ وَأَمْرُ الدُّنْيَا سَهْلٌ يَسِيرٌ

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ الْمَاجِدِ ، وَتَدَبَّرُوا عَوَاقِبَ الْأَمْرِ وَانْظُرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرِ النَّاقِدِ ، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بَقِيَّةَ الْعُمْرِ الْقَصِيرِ ، وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ، إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (الْحَدِيثُ) (الطَّابَعُ مُعَلَّقَةٌ بِقَائِمَةِ عَرْشِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا انْتُهِكَتِ الْحُرْمَةُ وَعُمِلَ بِالْمَعَاصِي وَاجْتُرِئَ عَلَى اللهِ بَعَثَ اللهُ الطَّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَعْقِلُ بَعْدَ ذٰلِكَ شَيْئًا) رواه البزار والبيهقي

الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ لِرَبِيعِ الثَّانِي

اَلْحَمْدُ للهِ الْعَلِيمِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، الْكَرِيمِ الْحَلِيمِ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ كَرَمًا وَحِلْمًا ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْفَاطِرُ (أَحْمَدُهُ) تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ الْوَافِرَةِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مِنَنِهِ الْبَاهِرَةِ ، الَّتِي لَا يُحْصِرُهَا حَاصِرٌ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هُوَ لِأَتْبَاعِهِ نِعْمَ السَّنَدُ ، اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ مَا أُقِيمَتْ لِلّٰهِ الشَّعَائِرُ

(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) فَحَكَمَتِ الْقَسْوَةُ مِنَ الْقُلُوبِ حَتَّى أَظْلَمَتْ ، وَتَمَكَّنَتِ الْغَفْلَةُ مِنَ الْعُقُولِ وَتَعَاظَمَتْ ، فَصَمَّتِ الْأَسْمَاعُ وَعَمِيَتِ الْأَبْصَارُ وَالْبَصَائِرُ ، مَا لَكُمْ كُلَّمَا تَوَدَّدَ إِلَيْكُمْ رَبُّكُمْ بِالنِّعَمِ عَامَلْتُمُوهُ مُعَامَلَةَ الْخَائِنِينَ ، وَكُلَّمَا قَرَّبَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ تَبَاعَدْتُمْ عَنْهُ تَبَاعُدَ الْمُبْغِضِينَ ، وَكُلَّمَا اسْتَنْهَضَكُمْ إِلَى الْمَعَالِي تَسَفَّلْتُمْ إِلَى مَهَاوِي الْخَسَائِرِ ، أَنْكَرْتُمُ الْمَعْرُوفَ وَمَا عَرَفْتُمُوهُ ، وَأَلِفْتُمُ الْمُنْكَرَ وَلَزِمْتُمُوهُ

فَهَلْ مِنْ خَائِفٍ يَمْتَثِلُ الْأَوَامِرَ ، مَا لَكُمْ تَدَّعُونَ الْإِيمَانَ ، وَقَدْ غَرِقْتُمْ فِي بِحَارِ الطُّغْيَانِ ، وَمَا لِقُلُوبِكُمْ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الزَّوَاجِرُ ، وَمَا لَكُمْ لَا تَعْتَبِرُونَ بِمَرْضَى الْأَحْيَاءِ ، وَمَا لَكُمْ لَا تَتَّعِظُونَ بِضَعْفِ الْأَقْوِيَاءِ ، وَمَا لَكُمْ لَا تَنْزَجِرُونَ بِمَنْ سَكَنُوا الْمَقَابِرَ ، أَمَا تَرَوْنَ الْأَيَّامَ تَسِيرُ بِكُمْ سَيْرَ الْمُجِدِّ الطَّالِبِ ، أَمَا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ غَرَضٌ لِسِهَامِ النَّوَائِبِ ، وَهَا هِيَ الدُّنْيَا تَفْعَلُ بِكُمْ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمَاكِرُ السَّاحِرُ ، يَا عَجَبًا مِمَّنْ يَتَنَاسَى الْمَوْتَ وَالْمَوْتُ لَا يَنْسَاهُ ، وَيَغِيبُ عَنْ مُرَاقَبَةِ رَبِّهِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ ، وَيَطْمَعُ فِي دَارِ الْفَنَاءِ وَقَدْ هَلَكَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ

عِبَادَ اللهِ احْذَرُوا كَمَّ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا عَرَضٌ خَسِيسٌ زَائِلٌ ، وَأَنَّهَا كَمْ عَنْ غُرُورِهَا فَإِنَّمَا أَيَّامُهَا وَلَيَالِيهَا مَرَاحِلُ ، مَتَى قَطَعْتُمُوهَا وَصَلْتُمْ إِلَى الْحَسِيبِ الْجَلِيلِ الْقَاهِرِ ، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى مُرَاقَبَةِ مَوْلَاكُمْ فَإِنَّهُ لَا مَحَالَةَ يَسْمَعُكُمْ وَيَرَاكُمْ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَا تُكِنُّهُ السَّرَائِرُ ، وَتُوبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى وَاسْتَغْفِرُوهُ ، وَاتَّخِذُوا الشَّيْطَانَ عَدُوًّا وَاهْجُرُوهُ ، لِكَيْ تَكُونُوا فِي عِدَادِ الْفَائِزِينَ الْأَكَابِرِ ، تَاللّٰهِ مَا قَالَ امْرُؤٌ إِنِّي تَائِبٌ إِلَّا قَابَلَهُ مَوْلَاهُ بِالْغُفْرَانِ ، وَلَا تَلَهَّفَ لَدَيْهِ ظَمْآنُ إِلَّا أَوْرَدَهُ مَوَارِدَ الْإِحْسَانِ ، وَكَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ سَحَائِبَ وُدِّهِ الْعَاطِرِ

وَاقْتَدُوا بِنَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ نِعْمَ الْقُدْوَةُ وَنِعْمَ الْإِمَامُ ، وَحَاشَا مَنِ اقْتَدَى بِجَنَابِهِ وَتَمَسَّكَ بِشَرِيعَتِهِ يُضَامُ ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ، (الْحَدِيثُ) (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَخَافُ النَّاسُ شَرَّهُ) رواه الطبراني في الأوسط وَقَالَ (إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ) رواه احمد في مسنده

مقالات ذات صلة مفيدة