اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَشَرَ عَلَى مَنَابِرِ الْكَائِنَاتِ أَعْلَامَ التَّوْحِيدِ ، وَتَجَلَّى عَلَى هَذِهِ الدَّارِ بِوَصْفِهِ الْقَهَّارِ الْمَجِيدِ ، فَكَانَتْ مَشْحُونَةً بِالْهُمُومِ وَالنَّصَبِ ، أَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَوْلَاهُ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ ، وَأَسْأَلُهُ النَّجَاةَ مِنَ الْكُرَبِ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الشَّرَفِ وَالْحَسَبِ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ) أَحَاطَتْ بِكُمْ جِبَالُ الشَّدَائِدِ وَالْهُمُومِ ، وَوَقَعْتُمْ فِي شَرَكِ الْوَبَالِ وَالْبَلَاءِ الْمَشْئُومِ ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لَا نَدْرِي مَا السَّبَبُ ، السَّبَبُ وَاللهِ ظَاهِرٌ مَعْقُولٌ ، فَقَدْ غَلَبَ الْهَوَى عَلَى الْعُقُولِ ، وَارْتَدَيْتُمْ ثَوْبَ الْغُرُورِ وَالطَّمَعِ وَإِسَاءَةِ الْأَدَبِ
أَمَا أَكَلْتُمُ الرِّبَا وَشَرِبْتُمُ الْخُمُورَ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ أَمْوَالَ الْأَيَامَى وَالْيَتَامَى وَشَهِدْتُمُ الزُّورَ ، أَمَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ الدَّنَاءَةِ وَالرِّيَبِ ، أَلَمْ تَسْتَدِيمُوا اللَّعِبَ وَاللَّهْوَ ، أَلَمْ تُلاَزِمُوا الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَفُحْشَ الْقَوْلِ وَاللَّغْوَ ، أَبَعْدَ هَذَا يُطْلَبُ سَبَبٌ لِلْمَقْتِ وَالْعَتَبِ
فَوَاللهِ مَا هَكَذَا شَأْنُ الْعَبِيدِ ، إِنَّمَا الْعَبْدُ مَنْ خَشِيَ يَوْمَ الْوَعِيدِ ، إِنَّمَا الْعَبْدُ مَنْ امْتَثَلَ أَمْرَ مَوْلَاهُ وَمَا نَهَى عَنْهُ اجْتَنَبَ ، مَا لِي أَرَى مَاءَ الْحَيَاءِ قَدْ غَاضَ مِنْ وُجُوهِكُمْ ، وَمَا لِي أَرَى الْقَسْوَةَ قَدْ تَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِكُمْ ، وَمَا لِي أَرَاكُمْ تُجَاهِرُونَ بِالْكَبَائِرِ وَلَا مُبَالَاةَ وَلَا أَدَبَ ، وَإِنَّ مَا تَفْعَلُهُ الْأَبْنَاءُ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، لَمِنْ عَجَائِبِ الدَّهْرِ وَالْأُمُورِ الْمُسْتَغْرَبَاتِ ، بَلْ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ ، أَيُجَازَى وَالِدٌ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي التَّرْبِيَةِ بِالشَّتْمِ وَالسَّبِّ ، أَمْ تُجَازَى أُمٌّ حَمَلَتْ وَسَهِرَتِ اللَّيَالِيَ بِاللَّعْنِ وَالضَّرْبِ
وَاللهِ لَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ أَيُّهَا الْعَاقُّ لِأَنَّ الْعُقُوقَ مِنْ أَعْظَمِ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ ، وَخَاصَمَكَ النَّبِيُّ وَأَبْغَضَكَ وَقَلَاكَ ، لِأَنَّكَ أَسَأْتَ إِلَى مَنْ رَبَّاكَ وَأَحْسَنَ مَثْوَاكَ ، مِنْ غَيْرِ جَرِيمَةٍ وَلَا سَبَبٍ ، فَإِلَامَ تُبَارِزُونَ اللهَ بِالْعِصْيَانِ ، وَحَتَّامَ تَتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَالْمَوْتُ فِي كُلِّ نَفَسٍ إِلَيْكُمْ أَقْرَبُ ، فَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ ، وَالْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْغِشَّ وَالْخِيَانَةَ وَالْأَخْلَاقَ الذَّمِيمَةَ
فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْمَقْتَ وَالْهَمَّ وَالْغَمَّ وَالتَّعَبَ ، وَأَدُّوا الْحُقُوقَ لِأَصْحَابِهَا ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِقُوَّتِكُمْ مَعَ ضَعْفِ أَرْبَابِهَا ، فَسَتَشْهَدُ عَلَيْكُمْ جَوَارِحُكُمْ فِي يَوْمٍ يَشْتَدُّ فِيهِ الْغَضَبُ ، وَيَتَسَاوَى إِذْ ذَاكَ الْأَحْرَارُ وَالْأَرِقَّاءُ ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ لِلضُّعَفَاءِ ، وَلَا مَالَ وَلَا جَاهَ وَلَا حَسَبَ وَلَا نَسَبَ ، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ، وَيُجْزَى بِمَا أَسْلَفَهُ فِي دُنْيَاهُ ، وَكُلُّ رَهِينٌ بِمَا كَسَبَ
فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا الْأَعْمَالَ ، عَسَى اللهُ أَنْ يُصْلِحَ لَكُمُ الْأَحْوَالَ ، وَلَا تُفْسِدُوا أَعْمَالَكُمْ فَمَنْ أَفْسَدَ عَمَلَهُ «سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ» (الحديث) (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَتْ فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ فَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ