الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِبِعْثَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَسَهَّلَ لَنَا طُرُقَ الْهِدَايَةِ بِنُورِ كِتَابِهِ الْمُبِينِ ، يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (أَحْمَدُهُ) عَلَى نِعْمَتِهِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مِنَّتِهِ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُسَهِّلَ لَنَا الصِّعَابَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْخَالِقُ الْمُخْتَارُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ خُلَاصَةُ الْأَخْيَارِ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ آلٍ وَأَصْحَابٍ
(أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ) اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ كَمَا أَمَرَكُمْ فِي كِتَابِهِ الْحَكِيمِ ، وَاذْكُرُوهُ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، وَرَاقِبُوهُ فَإِنَّهُ الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يَحْجُبُهُ حِجَابٌ ، وَخَافُوهُ وَلَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِهِ وَرِضَاهُ ، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، لِلْجَزَاءِ وَالْمُنَاقَشَةِ بَيْنِ يَدَيْ رَبِّ الْأَرْبَابِ
وَاحْذَرُوا بَطْشَتَهُ الْكُبْرَى فِي يَوْمٍ تَنْقَطِعُ فِيهِ الْمَوَدَّةُ وَالْإِخَاءُ ، وَتَسْتَوِي فِيهِ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ وَالْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ ، وَيَعْظُمُ فِيهِ الْهَوْلُ وَتَتَنَاكَرُ فِيهِ مَعَارِفُ الْأَنْسَابِ ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُكَ حِينَئِذٍ أَيُّهَا الْمُضَيِّعُ لِلْحُقُوقِ ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُكَ حِينَئِذٍ مَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْفُسُوقِ ، أَتَطْمَعُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فَاجِرٌ زَانٍ كَذَّابٌ
وَهَلْ تَشْرَبُ مِنْ رَحِيقِ الْجَنَّةِ وَأَنْتَ شَارِبٌ لِلْخُمُورِ ، وَهَلْ تَتَمَتَّعُ بِلَذِيذِ الْخِطَابِ وَأَنْتَ سَامِعٌ لِلْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالزُّورِ ، مَا هَذَا الْغُرُورُ يَا مِسْكِينُ بِحَيَاةٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، فَابْكِ الْآنَ عَلَى نَفْسِكَ وَدَعِ التَّعْوِيقَ ، وَبَادِرْ بِالرُّجُوعِ قَبْلَ أَنْ يُسَدَّ الطَّرِيقُ ، وَتَدَارَكْ أَمْرَكَ قَبْلَ حُلُولِكَ فِي التُّرَابِ
يَا مَنْ غَرَّتْهُ الشَّبِيبَةُ وَسَعَةُ الْعَيْشِ وَالْحَشَمُ ، لَا تَخْدَعَنَّكَ الْأَسْبَابُ فَلَعَلَّ هَذَا السِّمَنَ وَرَمٌ ، فَكَمْ أَخَذَ الْمَوْتُ مِثْلَكَ مِنْ غَنِيٍّ شَابٍ ، وَكَمْ أُنْزِلَ مُلُوكٌ مِنْ مَشِيدَاتِ الْقُصُورِ ، وَأَسْكَنَهُمْ بَعْدَ الْعِزِّ وَالْمَجْدِ حَفَائِرَ الْقُبُورِ ، فَأَصْبَحَتْ قُصُورُهُمْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا وَآلَتْ إِلَى الْخَرَابِ ، يَا مَنْ وَلَّى عَنْهُ الشَّبَابُ وَجَاءَهُ نَذِيرُ الْمَشِيبِ ، وَقَدْ حَانَ أَوَانُ الْحَصَادِ وَحَالُهُ سَيِّئٌ مَعِيبٌ
أَمَا اعْتَبَرْتَ بِالرَّاحِلِينَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَصْحَابِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاقْرَعُوا بَابَ الْمَتَابِ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَأَدِيمُوا خَشْيَةَ رَبِّكُمْ تَنَالُوا رِضَاهُ يَوْمَ الْقِصَاصِ ، وَتَشَوَّقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ مَا يَقْضِي مِنْهُ النَّاظِرُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ ، وَتَقَرَّبُوا مِنْهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، فَإِنَّهَا هَيِّنَةُ الِاقْتِرَابِ مَعَ الطَّاعَاتِ
وَتَدَبَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (الْحَدِيثُ) (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) رواه البيهقي