فليشرع السالك حسب الأصول اولاً في الأستغفار ثم الصلاة على النبي المختار قبل المباشرة بالأذكار على حسب وسعه وهمته من المقدار فعدد الأطوار اي المقامات سبعة:
الطور الأول - والنفس فيه امارة والسالك في هذا الطور يسمى مريدا وهو مظهر لآية ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ﴾
- مفتاحها : لا إله الا الله بمد اللام وقطع الهمزة من إله
- محلها : الصدر
- وصفها : الامارة
- تصوراتها : لا معبود بحق في الوجود الا الله » لطيفة النفس خلقية«
صورة التوجه بعد الفراغ من الذكر
إلهي طهر ظاهري بسلطان لا اله الا الله وحقق باطني بحقائق لا اله الا الله وأَغرق فيك ظاهري بإحاطة لا اله الا الله واحفظني اللهم بك في مراتب وجودك بشهودك حتى لا اشهد غير أفعالك وصفاتك ووجهك الحقِّ بحق لا اله الا الله واحفظني من فتن النفس والهوى بسر لا اله الا الله .
شرح وتأويل المنامات التي يرى البعض منها السالك مدة سلوكه في الطور الأول فلنشرع في موجبات تفسير الرؤيا او الواقعة :
اعلم ان ارباب السلوك لما اشتغلوا بالأذكار والمجاهدات انكشفت لهم احوال نفوسهم من الأخلاق الأنسانية والاوصاف الحيوانية وتبينت لهم مراتبهم من الترقي والتغزل ثم العبور والوقوف بالرؤيا وبالواقعة سبب التربية لأطفال الطريقة والمبتدئين فيها اذ كل ما يراه السالكون في المنام او في الواقعة يُريه الله من آياته ، قال تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾ وقال : ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
ثم اعلم إن الرؤيا ما يراه النائم من المعاني المجردة والحقائق الكلية والصفات النفسيه بعد تعطيل الحواس والقوى عن احكامها بالنوم لأن الإنسان اذا نام تعطلت حواسه وقواه من تصرفاتها فحينئذ تنطلق روحه عن القيودات وتعرج الى عالم الأصلي وهو العرش وتشاهد هناك المعانى المجردة والحقائق الكلية والصفات النفسية التى ستظهر في الآفاق وفي الأنفس من عالم العناصر ، كما قال: » ما من عبد ولا أُمَةٍ ينام طاهراً فيمتلى نوما الا يُعرَجُ بروحه الى العرش» فالذي لا يستيقظ الا عند العرش فتلك الرؤيا لا تكذب . ثم اذا رجعت الروح الى بدنها تأخذ منها القوة المتخلية ما رأته بصورة جزئية عنصرية مطابقة او مناسبة بتلك المعانى والحقائق والصفات في صورة الخيال لأن القوة المتخيلة مجبولة على المحاكاة والانتقال من شيء الى شيئ ومطبوعة على الفصل بين الأشياء المتصلة والتأليف بين الأشياء المنفصلة فإن كانت القوة المتخلية تصور تلك المعاني والحقائق والصفات بصورة جزئية مطابقة بتلك المعاني والحقائق والصفات تظهر تلك المعاني والحقائق والصفات بعينها فلا تحتاج تلك الى التعبير
وان كانت تصورها بصور جزئية غير مناسبة بتلك الكليات تحتاج تلك الصور الى التعبير المطابق لنفس الأمر والتأويل الصحيح في الواقع ، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ فعبرهم أبوه بما يطابق الواقع فقال له : ﴿ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى أَخَوَتْكَ ﴾ ، فالمعنى المجرد سجود أخوة يوسف عليه السلام وأبيه وخالته فتخيلته القوة المتخيلة بصورة غير مناسبة لذلك المعني المجرد وهو سجود الكواكب والشمس والقمر فحينئذ احتاج الى التعبير والتأويل ولو تخيلت قوة المتخيلة ذلك المعني المجرد وهو سجود أخوته وأبيه وخالته على الحقيقة التي انكشفت له من غير سجود الكواكب والشمس والقمر لا يحتاج الى التعبير والتأويل لأنه سيقع بعينه
وأما الواقعة فهي نوعان : النوع الأول : ما يراه السالك بين النوم واليقظة وهو مثل الرؤية التي يراها في المنام فبعضها تحتاج الى التعبير وبعضها لا تحتاج اليه .
والنوع الثاني : ما ينكشف للمسالك من الالهامات والاشارات واخبار الهواتف والأنوار الحسية كنور الشمس والقمر وغير ذلك . وهذا عند تجرد الروح من العلائق الكونية وخروج النفس عن وصمة الوهم والخيال الى مقام اليقين فحينئذ ينكشف للروح من عالم الأمر احوالها واحوال غيرها فتكون واقعته مطابقة للواقع وخارجة عن لبسة الوهم والخيال لأنها كشف من الله تعالى
ثم لأهل السلوك خيالات تشبه الرؤيا والواقعة فليست برؤيا ولا بواقعة ، وسببها ان القوة المتخيلة تنبعث الى عالم الخيال الذي هو برزخ بين عالم الأمر وعالم الخلق. فلا حقيقة لعالم الخيال البرزخى في نفس الأمر ، انما تخيل كاذب لا أصل له . ثم تأخذ القوة المتخيلة من عالم الخيال ما لا أصل له وتعطيه الى القوة الواهمة فتصورها الواهمة بالصور الكاذبة والهيئات الباطلة فيزعم صاحب ذلك الخيال أنه رأى صوراً صحيحة وكشف أمور أخفية ويعتقد أن تلك الصور للأمور الخفية ستكون فيقع الغلط في هذه التخيلات في الواقعات . فيلزم على السالك أن يتنبه بذلك من هذه المهالك .
ثم اعلم ان الرؤيا والواقعة من أسباب التربية وأركان السلوك لأن الله تعالى يلهم عباده في الرؤيا أو في الواقعة ما يتقربون اليه ويبعدون به عنه من الصفات الحسنة والقبيحة والأعمال الصالحة والفاسدة ، فلذلك قال : « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ »( )، فكانت الرؤيا والواقعة من طرق التربية والتسليك لأن المشايخ يربون بهما السالكين ويبلغونهم الى مقام الكشف واليقين ، فلذلك كانت الرؤيا والواقعة دليلاً للمسالكين وبرهانا للذاكرين يحتاجون اليهما في معرفة مراتبهم في مقامات الترقي والتنزيل هذا قبل ان يصلوا الى مقام الكشف ، فإذا وصلوا إلى مقام الكشف لا يحتاجون إلى الرؤيا والواقعة لأنهم حينئذ يأخذون معرفة ما يحتاجون إليه من الله تعالى بالكشف والالهام في حالة اليقظة .
ثم اعلم أن الرؤيا على قسمين صادقة وكاذبة . فإن كانت الرؤيا من الله أو من الملك فهي صادقة ويقال لها الرؤية الصالحة والمبشرة ، وإن كانت من النفس أو من الشيطان فهي كاذبة ويقال لها أضغاث احلام . قال الرؤيا الصالحة من الله تعالى فإن رأى احدكم ما يجب فلا يحدث به الا من يحب ، واذا رأى ما يكره فلا يحدث وليتفل على يساره وليتعوذ من الشيطان الرجيم من شر ما رآه فإنه لا يضره ( ).
ثم ما يظهر عن الحالات في الطور الأول يسمى ميلا ، فالسالك حين سيره المعنوي المعنوي بسبب ظلمة النفس الامارة يشاهد في مناماته في بداية الأمر الحيوانات الكاسرة التى لا يأكل لحمها والحشرات المضرة التي تدل على الأوصاف الذميمة المجبولة والموصوفة بها هذه النفس الأمارة فيمحيها بالنور الساطع من كثرة ذكر لا اله الا الله بالخشوع والحضور وهذا ما يتعلق به التأويل من المقامات التي يراها المريد في البداية في هذا الطور الأول : فإذا رأى المريد في الرؤيا او في الواقعة النمل غلبت عليه صفة الحرص واذا رأى المريد في الرؤيا السبع أو النمر أو الفهد أو الفيل أو ما أشبه ذلك فذلك يدل على ظلم النفس وتكبرها ، واذا رأى السنجاب او الضبع او ما يشابهها من الحيوانات فذلك يدل على السرقة واذا رأى اليربوع فذلك يدل على دفن النقد اي جمع الذهب والفضة تحت الأرض ، وإذا رأى الفأرة او الجردون فتدل على الحرص والبخل،
واذا رأى السلحفة فتدل على النظر الى الغير من المحرمات ، واذا رأى الضفادع او السام ابرص او الحردون او سائر الحشرات غلبت عليه نفرة الطبيعة فلذا تدل على نفرة الخلق منه ، واذا رأى الشياطين او المردة او الغيلان او الزنابير الحمر غلب عليه الأضلال والتفتين ، واذا رأى يهودياً بدل على انكار شيخه وأذا رأى نصرانياً يدل على انكار المذهب وان راى كافر الحرب يدل على كفره . واذا رأى انه وطى احداً من جنس الأنسان أو الحيوان يدل على خير يتصل من السيد ما لم يمني . وان رأى القملة والبراغيث تعلقت في ثوبه او بدنه او رأى ان الذباب يطير فوق رأسه يدل ذلك كله على غلبة الأفكار الفاسدة فيه ، واذا رأى انه دخل في السوق غلب عليه الهوى والطبيعة ، واذا رأى الكلب او الدب يدل على البخل والغضب ، واذا رأى الذئب والنسناس فذلك يدل على النميمة والغمز والعجب والحسد ، واذا رأى الحية والاربعينية والعقرب فتدل على العداوة والبرودة واذي الخلق ، فأذا رأى السعدان فذلك يدل على الشر والغيبة .
واذا رأى الثعلب فيدل على التزوير والمكر والحيلة . واذا رأى الواوى فيدل على التنزه والتفرج والسرقة . واذا رأى الحمار في هذا المقام الأول فيدل ذلك على غلبة الشهوة الفرجية والبطنية والكسل .واذا رأى الخنزير فذلك يدل على حب الدنيا واكل الحرام والنظر اليه واذا رأى الهرة فتدل على شهوة بطنه او غفلته فأن رآها مكرراً فتكون تلك الهرة جنية واذا رأى الأرنب غلب عليه الغفلة والكثافة . والأرنبة تلد في سنة ذكراً وفى سنة انثي واذا رأى انه دخل جهنم فقد اتبع الهوى واذا راي انه وقع في وحل يدل على فساد حاله وان رأى انه مرض يدل على تقصيره في عمله واذا راي انه مات يدل على مغلوبية نفسه ومقهوريتها واذا رأى البومة فذلك يدل على الشيوخ والسالكين المرائين .
واذا رأى القاق الأسود والأبلق فيدل ذلك علی كثرة الكلام واذ راي الطاووس فيدل ذلك على العجب بالنفس والتفخفخ واذا رأى البازي فذلك يدل على اكل لحم الآدمي بالغيبة والتكير ، واذا رأى الجراد فيدل ذلك على مباشرته للفعل الغير النافع واذا رأى الديدان الصغار فذلك يدل على الغباوة فالنظر الى الحرام واكله كشرب الخمر وسائر المشروبات المحرمة فأن شرب في منامه فيدل على اكله الحرام وان شاهده دل على نظره للحرام ، واذا راي مبيع الخمر والمزبلة والأزقة الضيقة والدكاكين والحفرات والمياه العكرة والأعضاء والاثواب الملوثة او النجسة فيدل ذلك على الميل الى حب الدنيا وزخارفها . واذا رأى الدخول الى الدار المعروفة له فيدل ذلك على الرجوع الى الحال السابق ، واذا رأى الدخول الى سوق الجامع فذلك يدل على فعله الشيئ بمقتضى طبيعته . واذا راى داراً مكنوسة ومفروشة ومزينة فيدل ذلك على اهتمام الطبيعة بأصلاح النفس والتقدم بالعمل واذا راى محلات التبن والحشيش اليابس فذلك. يدل على تحصيل العلوم الكونية لأجل الدنيا ، واذا راى الحور والصفصاف او ما اشبه ذلك فيدل ذلك على رجوعه للمساهلة ورخص الطبيعة واذا راي نفسه يسبح في محل او يمشي على البحر او بطير في الجو او يدخل في النار او يدور حولها فذلك يدل على وصوله إلى العناصر واشتغاله وانهماكه بالعناصر واذا رأى رجوع وجهه الى الوراء فيدل ذلك على الرجوع عن الطريقة بعدما تاب ،
واذا راي العبد والجارية فذلك يدل على خدمة القوات البدنية ، واذا رأى ضياع جبته او سرقتها بدل ذلك على تسلط الشيطان عليه ، واذا رأى نفسه حافياً لا يمكنه ان يجد نعله فذلك يدل على عدم توفيقه في الأمور ، واذا رأى طير الليل فذلك يدل على ستر الحق وانسداده بالعناد واذا رأى المرأة او الغزالة فذلك يدل على النفس اذا شفقت عليه امه في المنام يدل على صلاح نفسه وان لم تشفق يدل على فسادها فأن رأي اقارب امه فهي القوات النفسية والشهوية، وان رأى اقارب الأب فهي القوات الروحية ، واذا رأى نفسه بصورة الهرة فيدل ذلك على تدبير معاشه . كما ان حضرة الشيخ جنيد البغدادي قدس سره العالى رأى في ابتداء سلوكه شيخه في صورة الهرة وتلك الهرة لا تزال ناصبة عينها الى ثقب الفأرة فقال وا اسفاه ان شيخي ليس انسان فلما قال ذلك اتاه نداء قائلاً انت لا تعد نفسك أعلا من الهرة فأنصب عينيك الى قلبك فمن هناك يحصل مطلوبك ، واذا رأى أنه مات او قتل شخصاً فقد ماتت نفسه فالحيوانات المقبولة تشاهد وتنجم في كل من الأطوار السبعة ولكن تعبر وتفسر الصفات بحسب اختلاف الحيوانات بأعتبار المقام.