اعلم ان طريق المعرفة والوصول الى الله تعالى عند السادة النقشبندية إما بمحض الصحبة أو الذكر أو المراقبة فإن أردتها فلا بد لك ان تطلب شيخا مرشداً جامعا بين الشريعة والحقيقة وارثا للإخلاق المحمدية لان طلب الشيخ هو عين طلبه تعالي ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ سورة المائدة الآية ٣٥ . الرفيق ثم الطريق . من لاشيخ له فالشيطان شيخه لكن لا ينبغي أن تعتقد أن الشيخ مقصود ومطلوب فالشيخ كالكعبة يسجدون اليها والسجود الله فهكذا الشيخ . ثم تتوب على يديه توبة جامعة للأركان والشروط مع اخلاص النية والاعتقاد ظاهرا وباطنا وتحسن خدمته وتلازم صحبته مع بكمال الادب ثم تتلقن منه الذكر (باسم الذات أو النفي والاثبات) فاذا تلقنت فكن حريصا على الآداب التي تنبغي عند كل من الذكرين .
فأما آداب الاول فهي أن تصلى ركعتين في غير وقت الكراهة وتجلس على ركبتيك متوركا عكس تورك الصلاة بأن تخرج قدم الرجل اليمنى تحت ساق الرجل اليسرى وتعتمد علي الورك مستقبل القبلة مغمضا عينيك قاطعا جميع حواسك ملاحظا ان الله ناظر اليك يسمعك ويراك وتحضر في قلبك أنك مذنب مقصر خال من الاعمال الصالحات والعلوم النافعات، ثم تقول بلسانك "أستغفر الله" خمسا وعشرين مرة، وتلاحظ معنى الاستغفار وهو طلب المغفرة منه تعالى مع كل مرة، ثم تقرأ الفاتحة مرة والاخلاص ثلاثا وتهدى ثوابها الي حضرة النبي صلى الله عليه وسلم والي جميع مشايخ الطرق خصوصا النقشبندية .
ثم تلاحظ الموت وأحواله والقبر وأهواله . وان هذا آخر نفس من الدنيا . ثم تقرر صورة مرشدك وتحفظ صورته في خيالك في غيته وحضوره وتعمق النظر من ناصيتك الى ناصيته وتستمد البركة منه بالقلب . ثم تطرح الصورة بالخيال فى وسط قلبك فيحصل لك بها فائدة الجمعية كما تحصل الفائدة من الذكر لان المرشد بموجب (هم جلساء الله) لا يشقي جليسه بل يسعد . ومنشأ الشقاوة الغفلات . ومبدأ السعادة الحضور معه عز وجل . وروح المجالسة ارتباط قلب الجليس بالآخر وارتسام صورته في نفسه فاذا حصلت ولو في الغيبة ترتبت عليها الثمرات الموعود بها من قبل الحق تبارك وتعالي ولان المرشد كالميزاب ينزل الفيض الالهى من البحر المحيط اليك فبحفظها تتحقق وتتصف بأوصاف الشيخ وأحواله وماله من الصفات بموجب « المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ » ثم تقول الهى أنت مقصودي ورضاك مطلوبي تم تلصق الأسنان بالاسنان والشفة بالثقة واللسان بسقف الفم موجها جميع حواسك الى القلب نافذاً بتوجهك إليه وتتصور بفراغ البال معنى اسم الجلالة ومدلول كلمة (الله) وهو ذات بلا مثل وتجعل قلبك مملوءا بتذكرهذا المعنى وهذا الجمل يسمي (وقوفا قلبيا) ولا بد من وجوده فى جميع أوقات الذكر وفى خارجها ما أمكن .
ثم تشرع في ذكر (الله بالقلب) من غير عدد لكن مع الوقوف القلبى المذكور. واذا حصلت للذاكر اثناء الذكر غيية وذهول عن العالم وتعطلت حواسه ولو مع بقاء قليل شعور بنفسه فيترك الذكر وبيقي مع تلك الكيفية مستغرقا في الوقوف القلبي ولا يتعمد قطعها فاذا أفاق من نفسه يعود الي الذكر وعند تمامه يبقى مدة بسيرة مع ملاحظة الوقوف القلبي منتظراً لوارد محضراً قلبه لنزول الفيض اذ قد تفاض عليه في تلك المدة اليسيرة أمور عزيزة وان لم يدركها.
وينبغي للشخص أن يرتب له وقتا قدر ساعة أو أقل بعد العصر يشتغل فيه بالرابطة ثم الوقوف القلبي من غير ذكر واذا ارتسخ الذكر فى القلب بحيث لو تكلف الذاكر باحضار الغير لم يحضر انتقل ذكره الى (الروح) وهى لطيفة تحت الثدي الأيمن ثم الى (السر) وهو في يسار الصدر وفوق القلب ثم الى (الخفى) وهو يمينه فوق الروح ثم (الاخفي) وهو فى وسط الصدر وهذه (اللطائف الخمس) من عالم الامر الذي خلقه الله تعالى بأمر (كن) من غير مادة وركبها مع لطائف (عالم الخلق) الذي خلقه الله تعالى من مادة وهى (النفس الناطقة) والعناصر الأربعة .
ثم ينتقل إلى هذه النفس وهي فى الدماغ والعناصر الاربعة تندرج فيها وكل من هذه المحال محل للذكر على (الترتيب المذكور) ولا ينبغي أن ينتقل من لطيفة الى أخري الا بأمر (المرشد) فاذا ارتسخ الذكر فى لطيفة النفس حصل له (سلطان الذكر) وهو أن يغلب الذكر على جميعه بل على جميع الآفاق أيضاً بحيث يحس ينطق جميع أعضائه ومفاصله بالذ كر وينطق ما حوله من الآفاق به ومتي وصل الى هذا الحال صح أن يلقن الذكر بالنفى والاثبات أعنى كلمة لاإله الا الله .
وآداب هذا الذكر أن يلصق اللسان بسقف الحلق ويحبس النفس تحت السرة ويجريه بكلمة (لا) منها الى منتهي الدماغ وبكلمة (اله) من الدماغ الي كتفه الأيمن وبكلمة (الا الله) منه إلى القلب ضاربا عليه منفذاً الي سويدائه بقوة بحيث يتأثر بحرارته جميع البدن وينفي بشق (النفى) وجود جميع المحدثات وينظرها بنظر الفناء ويثبت بشق (والاثبات) ذات الحق سبحانه ناظراً بنظر البقاء ويحيط على محل اللطائف ويلاحظ الحظ الحاصل ويستحضر معنى الكلمة وهو لا مقصود الا ذات الله .
وانما أختير هذا لان نفى المقصودية أبلغ من نفي المعبودية وأن كل معبود مقصود ولا عكس . ويقول في آخرها بالقلب (محمد رسول الله) ويريد به التقيد بالاتباع ويكررها على قدر قوة النفس ويطلقه على عدد وتر كمرة أو ثلاثة قائلا (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبى ) ثم يستأنف ويزيد فى العدد الي أن يبلغ احدى وعشرين مرة فى نفس واحد فاذا انتهي العدد إلى ذلك تظهر (النتيجة) وهي النسبة المعهودة من الذهول والإستهلاك فان لم يظهر فليستأنف وليصدق فى ذ كره بأن يطابق فعله وقوله مضمون الذكر فان المقصودية لما سواء اذا كانت باقية فى الذاكر وخلاف الاتباع في شيء اذا كان واقعا منه لزم الكذب فلا يوصله الذكر الي المقصود حينئذ فاذا جاهد فيه حق جهاده وصدق فيه (ظهرت النتيجة) فتصلح له المراقبة (وهي رؤية جناب الحق سبحانه وتعالي بعين البصيرة على الدوام مع تعظيم مذهل وجذب حامل وسرور باعث وشوق حاث .
والمداوم عليها مع (المجاهدة التامة) يكون دائما فى التقرب و ابدا فى التحبب حتي تنتهي مراقبته الى المشاهدة من غير حجاب لأن المجاهدة بذر المشاهدة فمن لم يزرع بذر المجاهدة فى أرض الاستعداد لم يحصد المشاهدة فى التجليات بل المجاهدة انما هي سفينة بحر المشاهدة فمن لم يركب سفينة المجاهدة يسبح فى بحر المشاهدة .
فالمشاهدة أن يكشف للعبد ان أنوار وجود وحدة الذات الالهية محيطة بجميع الاشياء وأنه تعالي متجل بصفاته وأسمائه وأنه تعالى ظاهر فى كل صورة لكن ذلك الكشف علي حسب استعدادات المشاهدين فى صفاء أرواحهم وذكاء نفوسهم وجودة حواسهم واستعلائهم على الجسمانية وارتقائهم الى الروحانية وتفاوة أقربتهم من الحضرة الالهية وبعد هذه الخصوصيات يصير الابتهاج بأنوار الربوبية والاستكشاف بأسرار الاحدية.
واعلم أن مراتب الكشف انما تزيد وتنقص في التجليات الالهية بقدر أنوار بصائر القلوب وقدر أنوار بصائر القلوب انما يتفاوت بقدر القرب والبعد من الحضرة الالهية كما كانت مراتب رؤية الابصار تتفاوت بقدر تفاوت أنوار حاسة الابصار وتفاوت أنوار حاسة الابصار انما هو باختلاف استعداد القوة الباصرة فى اعتدال المزاج العنصري وباختلاف القرب والبعد من المبصرات لان رؤية نور الباصرة انما يكون أزيد ان كان مزاج الرائى أعدل وكان قربه من المبصر أكثر فحينئذ تكون الرؤية أزيد وأنتم فكذلك الحال فى شهود البصائر بأنوار التجليات الالهية لان نور البصيرة انما يكون أزيد ان كان الاستعداد أقوي وكان قرب البصيرة من الله تعالى أكثر فحينئذ كانت البصيرة للتجليات الالهية أكثر شهوداً وأتم وأكمل .
ولا بد لمن أراد الوصول الى مقام الكشف والشهود أن يخلص محبة الله تمالى عن محبة السوي ويفرد قصده لذات الله تعالي لا لاجل الكشف والكرامات وأن يعبد مخلصا لله تعالى لا لاجل الاجر والنجاة وأن يطبق أعماله على قانون الشريعة وميزان السنة . وأن يجرد قلبه عن غواشى العلوم وشواغل الخواطر. وأن يزكي نفسه عن الاماني والآ مال. وأن يطلق روحه عن عقال القيود الجسمانية والعوائق الحيوانية. وأن يحل عقله عن عقود القوى والحواس. وأن يزكي اخلاقه عن الرذائل والمذمومات . وأن يجرد ذهنه عن العلائق البدنية والعادات الطبيعة. وأن يتوجه على الدوام الى العوالم الروحانية والمجردات القدسية . وأن يستبعد عن مقتضيات البشرية ويتقرب إلي الخصال الملكية.
وينبغي لمريد الصادق أن يراعي آداب أهل الطريق خارج الذكر وهي كثيرة (منها) دوام الوضوء وملازمة الجماعة . وأداء الراتب. وإيثار الذكر على النفل المطلق والتلاوة والصلاة عليه صلي الله عليه وسلم ونحوها الى أن يصل درجة المراقبة فاذا وصل اليها وتم له الفناء الحقيقى فليتعبد بما شاء فانه حينئذ عبد الحق لا عبد النفس وكل أعماله قربات وكل أحواله متقبلة كما قيل.
وبعد الفنا فى الله كيفما تشاء فعلمك لا جهل وقعلك لاوزر
(ومنها) احياء ما بين العشاءين بالذ كر لان العمل فى ذلك الوقت مهم جدا وكذلك أحياء ما بعد العصر كما مر هذا بالنسبة للمحترف ونحوه اما المتجرد فأدابه استغراق جميع الاوقات فى الذ كر الذى تلقته من المرشد (ومنها) اعتزال غير المعتقدين للطريقة المنكرين على أهلها ما استطاع ورعاية هذا الادب مؤكدة على مريد الوصول اذ مخالطة المنكرين على أهل الباطن تورث قسوة فى القلب علي قدرها (ومنها) تحري الحلال في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه فانه لا يصل متعاطي الحرام الي الحق أبدا حتي ينزع عنه (ومنها) كمال الانكسار بحيث يري نفسه أقل المخلوقات ولا يري له فضلا على أحد ويرى نفسه يستحق العقوبة لولا فضل الله عز وجل (ومنها) اشتغاله بعيوب نفسه عن عيوب غيره فان أطلع من أحد على عيب فليعلم ان هذا المعيب مرآة ظهر فيها عيبه (ومنها) كمال محبته لاستاذه وتوقيره له ظاهرا وباطنا ورعاية الادب معه حضوراً وغيبة . وبالجملة قعلى قدر رعاية الادب مع المرشد تكون سرعة الوصول الى الكمال.