وهذه ترجمة موجزة لمؤلف كتاب البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة سيدنا ومولانا الامام الشيخ سلامة العزامي ومقتبسة مِن ترجمانه لأحد مريديه سيدنا الامام الجليل مولانا الشيخ نجم الدين محمد أمين الكردي رضي الله تعالى عنهم
كان رضي الله عنه أمة وحده، جمعت فيه اشتات المحاسن، وانواع المحامد، و كان إمام عصره وقرة عين دهره، شيخا للعلماء العاملين، وأستاذاً للمرشدين الصادقين. وقد كان بحرا يعجز الغواص عن اجتلاء درره، والباحثون عن الاحاطة بمناقبه وغرره. آيةٌ من آيات ربه، ونعمة كبرى من نعمه، جادت بها الالطاف الالهية على أهل وقته ليحي القلوب، ويزكي النفوس، ويعلي كلمة الدين، نافياً عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ناشراً لواء السنة الغراء، داعيا إلى كل فضيلة وخلق كريم.
وحق للقلم أن يعترف بعجزه، وللبيان ان يقر بعيه عن توفية الشيخ حقه بتدوين ترجمة ضافة لحياته الكريمة الحافلة تناسب قدره و تكافىء مكانته، ويختص مآثره ومزاياه، وتصف ما كان يتحمله تبيل الدعوة إلى الله والنصح لعباده. وإذا كان الأمر على ماذكرنا فلا أقل من أن نجمع قطرات من بحر حباته الزاخرة الزاهرة، وزهرات عن سيرته العطرة الناضرة تكون نبراساً للعلماء العاملين، ومناراً للسالكين إلي رب العالمين ودليلاً للباحثين عن القدوة الحسنة، ومنهاجاً قوياً لكل من تطلعت نفسه إلى الكمال، وتحركت همته للتخلية و التحلية و تحقيق المثل العليا الاسلامية.
والله سبحانه نسأل و بنبيه الأعظم نتوسل أن يوفقنا لحسن الإتباع و كمال الاقتداء. كما نسأله عز شأنه أن يمد في حياة الخليفة الأجل. المرشد الكامل و العلامة العامل حامل راية الإرشاد النقشبندي و وريث السر الخالدي مولانا العارف بالله تعالى الشيخ نجم الدين بن القطب الكبير مولانا الشيخ محمد أمين الكردي رضي الله عنه و أن يحسن جزاءه عن جهاده المثمر في خدمة السنة النبوية و الغراء و النصح للإسلام و المسلمين انه سميع مجيب
مولده ونشأته المباركة
ولد رضي الله عنه في التاسع و العشرين من شهر المحرم عام ثمان و تسعين و مائتين و ألف هجرية في جزرة النجدي و هي قرية من أعمال مديرية القليوبية بمصر لأبوين عربين راسخي النسب أبوه شيخ العرب هندي سلامة العزامي الذي كان عميد عاب العزازمة من فروع قبيلة قضاعة العربية الشهيرة. و قد كان هذا الولد -عليه الرحمة- شهيراً بالكرم و النجدة ومثالاً طيباً للأخلاق العربية الأصلية والآداب الإسلامية الرفيعة
وأما والدته -رحمها الله - فهي السيدة التقية كريمة المحسن الكبير المرحوم شيخ العرب خطاب الشواربي من أعيان التقليدية و سراتها الأمجاد. ظهرت على الشيخ -رضي الله عنه - مخايل النجابة و أنوار الولاية منذ حداثة سنة (ونعومة أظفاره). و قد ألقى الله عليه محبة منه و حاطه بهالة من عنايته و رعايته. و كان الجميع يتوقعون له مستقبلا مشرقاً و شأنًاً عظيما
و إذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا
وعندما بلغ الثالثة من عمره، أصيب بمرض الجدري، فأتى على بصره لحكة سامية تدل على عناية الله - سبحانه - بعبده؛ ليفرغه إليه، ويستخلصه لنفسه. ويهيئه لتلك المهمة الكبرى التي أداها على خير ما ترتضيه الأمانة، ويحمد، وإخلاص .
وقد عوضه الله عن فقد بصره. فراسة صادقة، وبصيرة نفاذة. فكان يرى بنور ربه لا تعوقه الحجب المادية، ولا الكاثافات الجسمانية
ويرحم الله القائل:
قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرونا
وعند ما بلغ سناً مناسبة من حياته المباركة أسلمه والده إلى معلم يقرئه القرآن الكريم في قليوب فأتم حفظه في فترة وجيزة؛ ثم تلقى عن علماء تلك البلدة القراءات المتواترة. فأجادها وأجازوه بها رواية ودراية. وبعد أن نال قسطاً من مبادىء العلوم؛ ثم تلقى العلم في الأزهر الشريف. فأخذ ينهل من ذلك المعين الصافي والمورد العذب مقبلاً على دراسة علوم الدين والعربية بعزيمة قوية. وهمة سامية كما هو دأبه – رضي الله عنه – في كل ما كان يتصدى له من مهام الأمور حتى آخر يوم من حياته
وقد كان أساتذته – رحمهم الله – يقدرون ذكاءه وعلمه وخلقه وتقواه. ويرددون دائماً أمانيهم في أن يكثر الله من أمثاله بين طلاب العلم؛ ليعم النفع. وتصلح حال المسلمين وإن فقيهاً واحداً متورعاً أشد على الشيطان من ألف عابد سلوكه طريق القوم تلقيه الطريقة الخلوتية. وقطعه مراتبها. ثم النقشبندية
أنار الله بصيرة الشيخ رضي الله عنه. وفتح عين قلبه. فأدرك منذ كان فتى أن طريق القوم لا بد منه لطالب العلم بل لكل من يسعى إلى تحصيل السعادة التامة في الدارين. وقد تعلق قلبه بحب الصالحين منذ تلك الحقبة من حياته. وأخذت نفسه الشريفة تهفو إلى مرشد يتلقى عنه الطريق فاتصل أول أمره بالمرحوم الشيخ أبي كامل «فتلقى عنه الطريقة الخلوتية التي تلقاها عن السادة الأجلاء الشيخ «المصلحي» عن الشيخ «الشتناوي» عن السيد الشريف الشيخ «محمد بن سالم - الحفني» رضي الله عنهم أجمعين
جد الشيخ في الذكر والعبادة. وحافظ على ورده تمام المحافظة. وكان لا ينتقل من اسم إلى غيره إلا بإذن باطني ولو ذكر العدد مراراً فقطع الأسماء كلها على هذا الوضع وقد رأى في ختام تلك المدة سيدي مولانا العارف بالله تعالى سيدي مصطفى البكري شيخ الطريقة الخلوتية في النوم يشير إليه بأنه قد رضع ثدي التربية. وأن قابليته ما زالت مستعدة لأكثر مما نال. ثم أشار إليه بأن يبحث عن مرشد آخر يغذي ذلك الاستعداد القلبي. ويأخذ بيده إلى مراقي الكمالات
فلم يلبث بعد ذلك أن تشرف بلقاء مولانا شيخ الشيوخ وأستاذ العارفين «محمد أمين الكردي» الإربلي النقشبندي رضي الله عنه وسعد بتلقي الطريقة النقشبندية على يديه وكان ذلك في الجامع الأزهر الشريف عام أربع وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية
أخذ – رضي الله عنه – يشتغل بهذا الطريق النقشبندي مشمراً عن ساعد الجد، مقبلاً على الله بكليته معرضاً عن القواطع والأغيار، جامعاً بين الفكر والذكر وطلب العلم. إمامه كتاب الله، وقدوته سيدنا رسول الله ونبراسه إلى ذلك شيخه الكبير رضي الله عنهما.
وقد كان سيدنا ومولانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يشرفه بالرؤى المنامية في تلك الحقبة مرة كل أسبوع، ثم والاه بالرؤى كل ليلة. ولذلك قصة لا يتسع المجال لذكرها، وتدل على أن الشيخ كان مراداً قبل أن يكون مريداً، ومطلوباً قبل أن يكون طالباً، فقد سبقت له الحسنى، وكتبت له السعادة العظمى، وحاطته العناية الإلهية، والأنواري المحمدية منذ حداثة سنه، وكان فضل ربه عليه عظيماً.
حصولة على شهادة العالمية وذكر بعض شيوخه الذين درس عليهم
مضى – رضي الله عنه – يطلب العلم على ما ذكرنا من مثالية في خلقه وتقواه وبحثه وتنقيبه، وأدبه الجم مع شيوخه الفضلاء حتى أصبح وكأنه متخصص في كل علم وفن
وقد كان من شيوخه الذين تلقى عنهم العلم ممن استطعنا معرفة أسمائهم العلامة الفاضل الشيخ «أبو فراج» وقد درس عليه فقه الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ ومنهم علامة زمانه شيخ الإسلام «سليم البشري»، فقرأ عليه الحديث الشريف، والشيخ «الجرواني» الذي درس عليه علم المنطق، والعلامة العامل الشيخ «محمد السمالوطي» وقد درس عليه علم أصول الفقه
وقد أجمع هؤلاء الأعلام وغيرهم من نظرائهم على إجلال الشيخ وتقدير مزاياه النادرة، وتمنياته العظيمة، وكانوا يرجون له الدعاء ويشيدون بعلمه الغزير، وذكائه الحاد، وحافظته القوية، ولهذا لم يكن غريباً أن يمنح شهادة العالمية بعد أن ملك على أعضاء اللجنة أفئدتهم، وحاز تقديرهم وإعجابهم؛ وكان ذلك عام ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية
إذن شيخه له بالإرشاد
توجه إليه شيخه الغوث الكردي – رضي الله عنه – توجهات خاصة، وأقبل عليه إقبال الوالد الشفيق والأم الرؤوم آخذا بيده إلى مراقي التقوى ومعارج العرفان، حتى صار ببركة توجهاته؛ نورا ساطعاً وعبداً ربانياً خالصاً، وكان شيخه إذ ينزل الناس منازلهم يقدمه على خلفائه الأجلاء حتى من سبقوه إلى تلقي الطريق منهم، مشيراً بذلك إلى حاضره الطاهر، وما ينتظره من مستقبل زاهر
وقد أدخله شيخه الكردي الخلوة في مسجد «العمراني» ببولاق مصر، فمكث فيه صائماً نهاره، قائماً ليله، عاكفاً على الذكر والفكر، مؤتنساً بربه، معرضاً عن كل ما سواه، وكان شيخه – رضي الله عنه – في أثناء تلك الخلوة يتولى خدمته بنفسه
ومما يجدر الإشارة إليه أن شيخه الكردي – رضي الله عنه – كان يوصله إلى المنبر بيده الكريمة وعندما يسلمه إلى الدرجة الأولى منه يهمس في أذنه بموضوع الخطبة المكلف بإلقائها، فكان رضي الله عنه يخطب في ذلك الموضوع كأنما كان يقرأ من كتاب، ويلم به من جميع أطرافه كمن سهر الليالي، وأجهد نفسه في الإعداد
يرسل الحكمة فتتلقاها القلوب، وتخشع لها النفوس، ثم بعد انتهاء الصلاة ترى الحاضرين يتهامسون: بأن الخطبة قد مست أفئدتهم وعرضت لما عندهم، فشخصت الداء، ووصفت الدواء. ذلك أن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب.