قد أرشدنا مولانا الأستاذ العلامة الشيخ محمد أمين الكردى الأربلى النقشبندى ابن الشيخ فتح الله زاده رزقه الله الحسنی وزياده كالمحبين لطريقة السادة النقشبندية بان شهر رمضان شهر عظيم وعلينا أن ننتفع بما فيه من البركات. وهذا واضح بجلاء كما في قوله رحم الله تعالى :
قال تعالى وبقوله يهتدى المهتدون (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِهٍ الْقُرْآنُ هدى لِلنَّاسِ وَبَيْنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).
(شهر رمضان) لا يخفى أن هذا مما امتاز به هذا الشهر على غيره من الشهور لان الله تعالى لم يصرح في كتابه العزيز باسم شهر إلا باسم هذا الشهر، وهذا مما يدل على كثرة فضله على غيره أي بتكثير ثواب الأعمال الموافقة فيه.
(وحكمة فضله) على غيره أن سائر الأمم الماضية كان لها عمر طويل وعمل كثير، فأراد الله أن تكون أمة محمد صلى الله عليه وسلم سابقة عليهم فأعطاها شهر رمضان والأوقات الفاضلة لتسبق سائر الامم الماضية بكثرة الثواب (وسمى رمضان ) لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ويذيبها لما يقع فيه من كثرة العبادات.
(الذى أنزل فيه القرآن) لما خص الله تعالى شهر رمضان بالصيام وهو عبادة عظيمة بين سبب تخصيصه بإنزال أعظم كتبه فيه. قال ابن عباس أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم منحما أي مفرقا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. وكما اختار الله تعالى هذا الشهر لانزال القرآن الكريم فيه أنزل فيه غيره من الكتب المقدسة . فقد روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أنزلت صحف ابراهيم في أول ليلة من رمضان» وأنزلت توراة موسی في ست لیال مضین من رمضان . وأنزل زبور داود فى ثمان عشرة ليلة مضت من رمضان) وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم فى الرابعة والعشرين.
واعلم ان الكتب المنزلة من السماء الى الارض مائة وأربعة صحف شيث ستون ، وصحف إبراهيم ثلاثون ، وصحف موسى قبل التوراة عشرة ، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان به وقد أ كرم الله هذه الأمة بأن جعل معانى الكتب مجموعة في القرآن ومعانى القرآن مجموعة في الفاتحة ومعانى الفاتحة مجموعة فى البسملة ومعانى البسملة مجموعة فى بائها ومعناها بي كان ما کان وبي یکون ما یکون .
وقال ابن عادل یروي ان جبريل عليه السلام نزل على آدم عليه السلام اثنتي عشرة مرة ، وعلى ادريس أربع مرات وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة ، وعلى نوح خمسين مرة ، وعلى موسى أربع مرات ، وعلى عيسى عشر مرات ، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة.
﴿فائدة﴾ قال كعب الاحبار ، اختار أربع من الانبياء أربع كلمات فيها أسرار الكتب كلها ، اختار موسى عليه السلام (من قطع معاشرة أهل السوء واستعمل الصدق مع الله فكأنما قرأ التوراة وعمل بها) . واختار داود (من ا كتفي بالقليل من الدنيا ورضى بما قسم الله تعالى فكأنما قرأ الزبور وعمل به) ، واختار عيسى (من تورع عن الحرام واجتنب الشبهة فكأنما قرأ جميع الانجيل وعمل به) ، واختار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (من حفظ لسانه من الكذب والغيبة والفضول فكأنما قرأ جميع القرآن وعمل به).
(هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) أي أنزل القرآن في رمضان كما تقدم وهو هَاد للناس الى الحق بما فيه من الحكم والاحكام وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى الى الحق ويفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام .
وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة شهيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رَمَضانُ سَيِّدُ الشهورِ) ، وقال (إِذَا دَخَلَ رَمَضَان فتّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِّ وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ جَهَنّمَ وَ صفّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَفَتحتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) رواه مسلم ، فأغلاق أبوابَ جَهنَم اما حقيقة أو كناية عن تنزه أنفس الصائمين عن رجس الفواحش والآثام . و تصفيد الشياطين حبسهم وغل أعناقهم فيفعلهم بهم جبريل.
فقد ورد ان جبريل ينزل الى الارض في رمضان فيصفد مردة الجن والشياطين فيغلهم في الاغلال ويطرحهم في البحر لئلا يفسدوا على هذه الأمة صيامهم ، وأما ما يقع في رمضان من المعاصي من كثير من الفسقة من قتل وشرب خمر وغير ذلك، فإنه من النفس الامارة بالسوء. فاحذر نفسك فإنها أشد من سبعين شيطانا، قال تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيْفًا)، وقال (إِنَّ النَّفْسَ لَأْمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) . والنفس لا تفارق صاحبها الا اذا مات والشيطان يفارقه في رمضان فما يقع فيه فهو من النفس. وقال (إذَا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فُتحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَان كُلَّهَا فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ فِي الشَّهْر كُلّهِ وَأغْلِقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ كُلُّها فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ فِي الشَّهر كُلِّهِ وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى مُنَادِيًا يُنَادِى يَا طَالِبَ الْخَيْر أَقْبِل وَ يَا بَاغِيَ الشَّر أَقْصِرْ، ثُمَّ يَقُولُ : هلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيِتَابُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى انْفِجَارِ الصُّبْحِ، وَلِلّهِ تَعَالَى فِي كُلِ لَيْلَةِ عِنْدَ الْفِطْرِ ألفُ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النّارِ قَد اسْتَوْجَبُوا النّارَ) رواه سعيد بن جبير وعبد الله ابن عمر، وفيه روايات كثيرة.
وقال (إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَيَّنُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ لِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا كَانَ أوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ اْلْعَرْشَ يُقالُ لَهَا الْمُثِيرَةُ نُصَفِّقُ وَرَقَ أشْجَارِ الْجَنّةِ وَحِلَقَ اْلَمصارِيعِ فَيُسْمعُ لِذَلِكَ طِنِينٌ لَمْ يَسمع السَّامِعُونَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَتبرُزُ الْحُورُ الْعِينُ حَتَّى يَقُمْنَ عَلَى شُرَفِ اْلْجَنَّةِ فَيُنَادِينَ هَلْ مِنْ خَاطِبٍ. ثُمَّ يَقُلْنَ يَا رِضْوَان مَا هَذِهِ اللّيْلَةُ فَيُجِيبُهُنَّ بِالتّلْبيَةِ، فَيَقُولُ يَا خَيْرَاتُ حِسَانٍ هَذِهِ، أوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْر رَمَضانَ) خرجه ابن خزيمة و البيهقي في الشعب.
وقال (لَوْ يَعْلمُ النَّاسُ مَا فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنَ اْلَخَيْرَاتِ لَتَمنَّتْ أُمَّتِى أَنْ يَكُونَ رَمَضانُ السَّنَةَ كُلَهَا) رواه الطبراني في معجمه أي لما فيه من الغفران ورفع الدرجات وتضاعف الحسنات ومحو السيئات واستجابة الدعاء وغير ذلك .
وعن سلمان الفارسي رضى الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، فقال (أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة القدر خير من الف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى الفريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر المواساة، وهو شهر يزاد فيه رزق المؤمن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قلنا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، فقال يعطى الله هذا الثواب لمن فطر فيه صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء ومن أشبع فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه وسقاه ربه من حوضى شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى لكم عنهما. اما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا اله الا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما تسألون ربكم الجنة وتستعيذون به من النار) رواه ابن خزيمة في صحيحه عن سلمان الفارسي.
وقال (إِذَا هَلَّ هِلاَلُ رَمَضَانَ صَاحَ الْعَرْشُ وَ الْكُرْسِي وَمَا دُونهُمَا. وَقَالُوا طُوبَى لِأمَةِ مُحَّمدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِملَائِكَتِهِ اِجْعَلُوا صِيَامَكُمْ وَتَسْبِيَحَكُمْ هَذَا الشَّهرَ هِبَةً لِأُمَّةِ مُحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ) رواه أبو هريرة أي اذا دخل شهر رمضان صاح العرش والكرسي أي ملائكتهما وما دونهما أي غير ملائكة العرش والكرسي. (وقالوا طوبى) اسم شجرة في الجنة أصلها في قصر النبي صلى الله عليه وسلم وما من قصر في الجنة الا وفيه غصن من غصونها. وقوله (اجعلوا صيامكمْ) أي اجعلوا مثل ثواب صيامكم ومثل ثواب تسبيحكم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
و قال (أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ خَمسا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي. أَمَّا وَاحِدَةُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهر رَمَضَانَ يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذّبْهُ أَبَدَا. وَ أما الثَّانِيَةُ فَإِنَّ خلُوفَ أفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أَطْيبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمسْك. وَأمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ. وَأْمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ اللهَ عزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ جَنَّتهُ فَيقُولُ لَهَا اسْتَعِدي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي أَوْشَكَ أنْ يستَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِى وَكَرَامَتِي. وَ أمَّا الْخَامِسَةُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ آخرُ لَيْلَةِ غفَرَ اللهُ لَهُمْ جَميعًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: لاَ أْلَمْ تَرَ إِلَى الْعَمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِن أَعْمَالِهمْ وُفَّوا أجُورَهُمْ) رواه البيهقي.
وقال الله تعالى لموسى (انى أعطيت أمة محمد نورين لكيلا يضرهم ظلمتان. فقال موسى: ما النوران يا رب؟ فقال تعالى: نور رمضان ونور القرآن. فقال موسى: وما الظلمتان يا رب؟ فقال ظلمة القبر و ظلمة يوم القيامة)